كتاب وأراء

حبشي رشدي .. الفصل الذي لا يروق للشعراء

لا يروق فصل الخريف عادة للشعراء والأدباء، لأن الطبيعة فيه تفقد بعض نضارتها، ولا يفرز رحيقا محببا، ويمثل لهم الحزن والجمود وفقدان الحيوية، مما يصيبهم بشيء من الاكتئاب، حيث تتجرد الأشجار من أوراق كثيرة، وتصاب نباتات بشيء من الذبول، ولهذا يعلن كثير من مشاهير الشعراء مثل بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وغيرهما جفوتهما للخريف، بينما يرحبون كثيرا بالربيع منذ عهد البحتري الذي قال فيه قصيدته الجميلة التي يقول فيها: «أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا من الحسن حتى كاد أن يتكلما...الخ».
فلاحون ومزارعون عرب، متصالحون مع الفصول الأربعة ويرون في تنوعها نعمة من الخالق عز وجل، لا يرون في الخريف ما يراه الشعراء، ولديهم فكرة تقول: إن الخريف يجب ألا يساء الظن به، أو يتهم بالتسبب في الاكتئاب، بل انه فصل قصير تجتمع فيه مظاهر الفصول الثلاثة الاخرى، ففيه هطول أمطار، أو حتى زخات محدودة من المطر، وفيه رياح وتقلبات مناخية، وفي بعض لياليه نسمات عليلة تشبه نسمات نهار الشتاء، وفيه كذلك ربيع لبعض المحاصيل والنباتات، وفي نهاراته مناخ حار أو رطب.
ولكني لاحظت ان بعض الاصدقاء يتغيبون عن جلسات سمرنا ونقاشاتنا، رغم أفول وقت التوجه العائلي إلى المصايف على السواحل، ولأنني لأسباب عديدة أقاطع المصايف ولا أحبذها، كنت أتفهم خلال الصيف- الذي وضع أوزاره- أسباب غياب هؤلاء الأصدقاء وحضوري الوحيد في كثير من أيامه، فليهنأ من يفضل الأطياف، ولتكن لي جلسات مع الذات والجرائد أو حتى مع شريط الذكريات الذي يعمل بأكثر من كفاءة فيديو.
انصرم الصيف ورحل مؤقتا حتى عام قادم، وحل الخريف، ولكن الأخير لم يأت بكل الاصدقاء كما توقعت، مما جعلني استفسر عن أسباب غيابهم، فقال لي أحد الحاضرين: من قال لك إن الخريف مختلف في كثيره عن الصيف، ثم أردف: ألا ترى هذا الطقس الحار والغائم من دون نذر هطول أمطار غزيرة، فالشمس محتجبة، وفي احتجابها ما يتسبب في ذبول البشر والشجر.
فغرت فاهي متسائلا منه بشيء من المزح: هل تشرح لي أيها العبقري ما تقوله؟ فأجاب: حينما تحتجب الشمس كما ترى لا تقوم أوراق الاشجار بما تحتاجه من التمثيل الضوئي لتتغذى، مما يؤدي إلى اصفرارها وذبولها ومن ثم إلى سقوطها، وأيضا احتجاب الشمس يتسبب في أن يقل إنتاج الانسان لفيتامين «دال»، مما يسبب الخمول والكسل، وربما إلى رغبة في النعاس، ولهذا ستجد أصدقاءك حاليا نياما، أي ان الغياب يأتي بعذر خريفي قهري، ساقه وشرحه لي هذا الصديق.
عدت إلى نفسي، لأفكر وأستعيد خريف غضب السادات، الذي استعاره الكاتب الراحل محمد حسنين هيكل عنوانا لكتابه: «خريف الغضب»، وأيضا لأتذكر فيلم «السمان والخريف»، وأضاف لي هذا الصديق كتابا للأطفال لم أقرأه ولم أره عنوانه: «نحبك أيها الخريف» لمؤلفة لبنانية، ووعدني أن يتيحه لي، لأنه يعلم الاطفال حب الفصول الأربعة وعدم مشاركة الشعراء مقتهم وتوجسهم من الخريف.

بقلم : حبشي رشدي

حبشي رشدي