كتاب وأراء

لبنان.. بعد تركيا ؟

في السابق، لجأت واشنطن إلى القوة العسكرية لفرض مشيئتها على الدول والمنظمات التي تغرد خارج سربها. لكن إدارتها الحالية تسلك نهجا مختلفا. منذ وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوباتٍ على 944 كياناً أجنبياً وأفراداً خلال 2017، وهو رقمٌ قياسي. ويتوقع أن يتجاوز عدد العقوبات المفروضة خلال العالم الجاري حاجز الألف عقوبة.
جعل الرئيس الأميركي من العقوبات المالية وفرض الرسوم التجارية صواريخ مدمرة يطلقها على كل من يختلف معه في الرأي أو المسلك أو النهج، وجعلها خيارا سياسيا ضد الدول والاشخاص الذين يختلف معهم. استخدمها كأداة مدمرة في مواجهة خصومه، لا مجرد وسيلة ضغط لإجبارهم على تقديم تنازلات أو الجلوس إلى طاولة المفاوضات. تصرف كأنَّه السيد الجديد للكون، الحاكم المطلق للأسواق العالمية، الذي يصدر قراراتٍ تحابي البعض تجارياً وتعاقب البعض الآخر من أجل مكاسب سياسية، حتى صارت «الحرب الاقتصادية» عنوانا للمرحلة الحالية في النظام العالمي، وأشدّ فتكاً وشراسة من الحروب العسكرية التي تدمر الحجر وتترك للبشر فرصة للنجاة.
ويساعد ترامب في تنفيذ هجماته المالية حقيقة أنَّ الدولار هو العملة الرئيسية للاحتياطي النقدي في العالم. تمارس الشركات المتعددة الجنسية أنشطتها باستخدام الدولار، وتعتمد غالبية الاقتصادات الناشئة على القروض المقومة بالدولار. لذا، عندما يرفع بنك الاحتياطي الفيديرالي الأميركي أسعار الفائدة، ترتفع تكلفة الاقتراض وخدمة الديون، ويحول هذا الإجراء أداةً سياسية اشد خطورة.
وهكذا تكاد دفعات أولى من العقوبات الأميركية على إيران وزيادة التعرفات لتركيا أن تطيح اقتصادين كبيرين من غير أن يُعرف ما اذا كانت ثمة استراتيجية متكاملة للتعامل مع هاتين الأزمتين. ففي الظاهر تبدو العقوبات الأميركية على أنقرة مرتبطة بأزمة القس الانجيلي أندرو برانسون، غير أن المشكلة بين الجانبين أكثر تشعبا، وتشهد العلاقات بينهما الكثير من المد والجزر منذ تولي ترامب سدة الرئاسة.
وتطول لائحة الشكاوى الأميركية من الرئيس التركي رجب طيب اردوغان وتتشعب، من خططه لشراء أنظمة «أس 400» من روسيا، إلى اضعافه الحرب على «داعش». ويبدو أن ترامب أعاد نبش سجلات لأنقرة تكشف مساعدتها إيران في التملص من عقوبات مالية واقتصادية في ظلّ إدارة سلفه باراك أوباما.
كل هذا، إضافة إلى مسألة القس برانسون والاتهامات التركية لواشنطن بالضلوع في المحاولة الانقلابية الفاشلة وحماية الداعية الإسلامي فتح الله غولن، يتفاعل في واشنطن منذ فترة. الا أن الرئيس الأميركي اختار وقتاً حساساً ليوجه ضربته إلى أردوغان، مضاعفاً التعرفات على واردات الصلب والألومنيوم من تركيا في أسوأ أيام الليرة التركية، دافعاً بها إلى مستويات متدنية قياسية. ولن يكون لمخاوف أوروبا من تداعيات انهيار محتمل للاقتصاد التركي صدى في واشنطن، ما دام ترامب عازماً على تصفية حساباته مع أردوغان.
وإذا كان توقيت الاقتصاص الأميركي من أنقرة مرتبطاً بالانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي، فان معركته مع طهران مفتوحة منذ وصوله إلى البيت الابيض، وقد بدأ أثرها يظهر على الاقتصاد حتى قبل سريان دفعة أخرى مطلع تشرين الثاني عندما ستحاول الولايات المتحدة فرض المنع الكامل لكل صادرات النفط الإيرانية، في حملة ضغط على أعلى مستوى هدفها الانهيار الكامل للاتفاق النووي.. لكن مثلما هو الحال في تركيا، ألحقت هذه العقوبات الضرر بالإيرانيين العاديين لا حكامهم.
الإجراءات المتخذة ضد إيران مدفوعة بأهدافٍ سياسية أيضاً. ولا يخفي ترامب آماله في تغيير نظام الحكم في طهران. ولتحقيق هذا الهدف الاخير، لا يبدو أن شيئاً سيردعه إذا قرر تشديد عقوباته على «حزب الله» ولبنان. واذا كان الاقتصاد التركي يعاني من الهجوم فكيف سيكون حال الاقتصاد اللبناني الهش؟!

بقلم : أمين قمورية

امين قمورية