كتاب وأراء

التجريبية في الحركة الكردية

الأكراد في العراق وتركيا وفي الشمال الشرقي السوري، وقيادتهم الحزبية والسياسية، يعشقون تاريخياً منهجين اثنين، وقد أديا بهم إلى ما أديا إليه من كوارث تساقطت عليهم خلال العقود الماضية، خاصة مع سياسة تبديل التحالفات من حين لآخر، واللعب على المعادلات الإقليمية وفرقائها.
المنهج الأول يتمثل بالمنطق التجريبي، وهو المنطق البعيد عن السياسة الواعية والمدروسة، وآخره تجربة الاستفتاء الذي أجراه مسعود البارزاني العام الماضي في كردستان العراق، تجربة استفتاء الانفصال عن الوطن العراقي الواحد الموحد، وقد أدى الاستفتاء إياه إلى فشل ذريع أصاب المشروع الكردي في العراق بتداعيات مصيرية لا تحمد عقباها. علماً بأن مقومات الكيان الكردي في سوريا أضعف بما لا يقاس منها في العراق، فالإقليم الكردي العراقي كان يشكل شبه دولة مستقلة بكل معنى الكلمة منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي عندما تم منح الإقليم حكماً ذاتياً كاملاً مع برلمان خاص به.
والمنهج الثاني يتمثل بالاستعانة الدائمة بالقوى الخارجية، التي استخدمت الأكراد وعموم الحركة الكردية في المنطقة، في ألاعيبها الإقليمية. فالرهان الكردي على الدعم الخارجي، رهان تاريخي، ولنا أن نستحضر العديد من التجارب إياها التي جلبت الكوارث على الأكراد قبل غيرهم في سياق تلك الرهانات، وها هي الآن، تجربتهم المريرة في سوريا ماثلة للعيان، فقد وضعوا «بيضهم كاملاً في السلة الأميركية»، ليجدوا حالهم أمام متغيرات جديدة أملتها التوافقات الأولية الأميركية- الروسية بعد قمة هلسنكي الأخيرة بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأميركي دونالد ترامب، فبات أمام الأكراد الآن في سوريا مسارب جديدة، تجلت واضحة في وصول وفد منهم، وتحديداً من مجموعات (قسد) للعاصمة دمشق، ومحاولة الركوب على معادلة جديدة بعد قمة هلسنكي.
الحركة الكردية في سوريا، والأكراد عموماً أمام منعطف جديد، وعلى قياداتهم أن تعي واقعها دون مُكابرة، فالمرحلة السابقة بكل حمولاتها انقضت، والإدارة الأميركية لن تبيع علاقاتها مع تركيا من أجل الأكراد السوريين ورغباتهم الانفصالية، كما لن تبيع علاقاتها مع روسيا أيضاً في سبيل الأكراد. واشنطن تقود سياسات مبنية على المصالح، خاصة في هذه اللحظات المصيرية من لحظات الملف السوري الذي كان حاضراً وبقوة على طاولة قمة هلسنكي بين بوتين وترامب.
إن المنطق التجريبي، ومعه منطق الاستعانة بالقوى الخارجية، قاد الحركة الكردية للتبديل المستمر في التحالفات التي كانت غالباً لحظية، أو مؤقتة وليست ذات طابع استراتيجي، وهو ما ألحق الضرر الكبير بمصالح الأكراد عموماً.
حقيقة، ومن منطلق مصلحة أكراد سوريا باعتبارهم جزءا من الشعب السوري، يتحتم على الحركة الكردية في سوريا أن تعي مصالح الأكراد في سوريا لا أن تقودهم نحو مغامرات يومية مستمرة من حينٍ لآخر، حيث من الصعوبة بمكان أن تتوفر للأكراد السوريين أسباب الحياة الطبيعية في غياب علاقات ودية مع الوطن السوري أولاً، ومع الجار التركي ثانياً، والجار العراقي ثالثاً.
بقلم : علي بدوان

علي بدوان