كتاب وأراء

مفهوم الاستقرار ووسائله

لا أتصور أن أحدا يختلف على أن الاستقرار، الذي هو عكس الفوضى والاضطراب، مطلب أساسي لكل الشعوب، وأنه غاية رئيسية تتغياها كل الحكومات والأنظمة بكل أنواعها.
غير ان اختلاف انواع الانظمة، غالبا ما يؤدي إلى اختلاف في مفهوم الاستقرار من جهة، ووسائل تحقيقه من جهة ثانية. فالمبتلون بأنظمة تكره الديمقراطية- وما أكثرهم في منطقتنا- فلا يعرفون مفهوما للاستقرار، إلا بقاء أنظمتهم على مقاعد الحكم، وبالتالي لا يجدون وسيلة لذلك إلا البطش الأمني.
الاستقرار يحتاج أولا لسياسات اقتصادية واجتماعية توفر للمواطن الحد الأدنى من الخدمات العامة والسلع الأساسية والحماية الاجتماعية بما يحفظ له كرامته وإنسانيته مهما ارتفعت الاسعار أو اضطر لتغيير نمط استهلاكه.
والاستقرار يحتاج لمناخ سياسي متوازن، تخفف فيه الدولة من قبضتها على الإعلام والبرلمان والمجتمع المدني والنشاط الجامعي والثقافي، وتتيح مساحة من الحرية في التعبير وانتقاد السياسات العامة والتفاعل معها.
وهو مناخ لا يصح الادعاء كذبا بانه يزعزع الأمن، أو يمثل تهديدا لمؤسسات الدولة، وهو ما يعني الدخول في حالة من عدم الاستقرار، بل هو ضمان للأمن ولقوة وشفافية – ضع تحت شفافية ما شئت من الخطوط بكل الالوان– أي اجمالا هو مناخ ضامن لاستمرارية الاستقرار الحقيقي، لانه يتيح للناس التعبير عن الرأي بشكل مشروع، والمشاركة في مناقشة القرارات الحكومية وبالذات ما يحتاج منها للتضحية والتعب.
هل يمكن الوصول إلى الاستقرار في غياب العدالة والقانون واحترام الدستور.
الكاتب الدكتور زياد بهاء الدين، أجاب على هذا السؤال فقال: لا يوجد ما يبعث على الطمأنينة في نفوس الناس والثقة في المستقبل والاستعداد للتضحية أكثر من العدل والإنصاف واليقين بأن القانون يساوي بين الجميع، وأن اجهزة الدولة التنفيذية مقيدة بدستور وقوانين، وأن القضاء نزيه ومستقل، وأن هناك دستورا يعلو على الجميع ولا يمكن تجاهل أحكامه. الظلم وغياب العدالة هما أخطر ما يهدد الاستقرار ويمهد للفوضى والانفلات ويضعف مصداقية الدولة ومؤسساتها.
بقي سؤال.. كم عدد الدول في العالم، التي حكمتها القبضة الأمنية الطاغية، وغابت فيها سيادة القانون ومساواته، وانتهك فيها الدستور، فعانت من الفوضى والاضراب، ووصلت إلى حد الحروب الأهلية والفشل؟. وكم هي بالمقابل عدد الدول التي احترمت أنظمتها الدستور والقانون، وفهمت الاستقرار على حقيقته، فأصابها ما أصاب سابقتها؟.
الاجابة عن السؤال الأخير والمقارنة ضرورية وواجبة.

بقلم : محمود عيسى

محمود عيسى