كتاب وأراء

هل ستكون طهران قربانا لتفاهم هلسنكي؟

يقول الخبير الأميركي الأبرز والأعتق في السياسة الخارجية هنري كيسنجر إنّ جوهر الأزمة الرئيسية للعلاقات الأميركية- الروسية هو انشغال واشنطن بمشاكلها الداخلية وترك الساحة الدولية مفتوحة للروس مثلما حصل في سوريا وأوكرانيا. ويكفي ما قاله سفير روسيا في واشنطن أناتولي أنطونوف بأنّ سوريا كانت البندَ الرئيس في محادثات هلسنكي، لادراك ان هذا الملف كان الابرز على طاولة قمة هلسنكي بين الرئيسين بوتين وترامب.
لكنّ الأهم تلك الاشارات التي ظهرت سريعاً بعد إرفضاض القمة. فالكرملين ارسل سريعاً موفداً خاصاً إلى طهران لوضع المسؤولين الإيرانيين الكبار في اجواء التفاهمات التي حصلت، ومن ثمّ بدأت ملامح التسويات بالظهور: تأمين المنطقة الجنوبية في سوريا من دون وجود إيراني أو حليف، وتطبيق خطة لإعادة زهاء مليوني نازح سوري إلى بلادهم، والشروع في تسويات إنهاء الحرب في سوريا.
صحيح أنّ النقاط الثلاث تبدو إيجابية، لكن من الخطأ الكبير الرهان عليها.
فالقمّة أكدت سيطرة الجيش السوري من دون سواه على الجنوب السوري بكامله، وصولاً إلى خطوط الفصل مع الالتزام باتّفاق عام 1974، ما يعني إمساك الجيش السوري بإشراف روسي مباشر وصارم بالجولان السوري كاملاً والبالغة مساحته 510 كيلومترات مربعة وصولاً إلى خطوط قوة فض الاشتباك الدولية «الاندوف». بيد ان النص المتعلق باتفاق 1974 بعضه واضح وبعضه الآخر يحتاج إلى مزيد من المتابعة للتعرف على حدود ما تم التوصل إليه. والغامض شروط العودة إلى هذا الاتفاق لا سيما من جانب دمشق، ولوحظ أن بوتين ربط بين مسألة العودة إلى اتفاق 1974 وبين تطبيق قرار مجلس الأمن الرقم 338 الذي تطالب سوريا بتنفيذه، والذي إذا نفذ سيعود الجولان كاملا إلى الكنف السوري. ليس واضحا ما إذا كان شرط العودة إلى اتفاق 1974 هو تنفيذ قرار مجلس الأمن 338 أو بدء مفاوضات من أجل تنفيذ هذا القرار.
من بين هذه العناصر التي يمكن أن يكون الطرفان قد اتّفقا عليها في هلسنكي، تمدّد سيطرة روسيا Tونظام الأسد إلى شمال شرق سوريا. صحيح ان اتفاقا من هذا النوع قد يثير ريبة الأتراك، لكن ليس كل اتفاق أميركي روسي ضاراً حكماً بالمصالح التركية. فعودة الجيش السوري إلى مناطق نفوذ الاكراد إن حصلت– لن تكون خبراً سلبياً بالمطلق لأنقرة. إذا لم ترغب واشنطن بدخول الجيش التركي إلى منبج في نهاية المطاف، فعندها يحتمل أن تكون سيطرة دمشق عليها حلّاً بديلاً مقبولاً لدى تركيا. لكنّ مخاوف أنقرة قد تتمحور حول طبيعة العلاقة بين العاصمة السوريّة والمناطق الكرديّة في شمال شرق سوريا. إذا احتفظ هؤلاء بسلطة محلّية واسعة ضمن إطار فيدرالي كما يطالبون، فعندها قد تكون تركيا أمام مشكلة سياسيّة إزاء تطوّر كهذا، خصوصاً أنّ النظام الفيدراليّ يقرّ للمجموعات المحلية حق فرض أمنها الداخلي الخاص. لكن بالمقابل، قد لا تكون دمشق نفسها متحمّسة لمشهد سياسي مشابه.
السؤال الاهم هل ستكون إيران قربانا يقدمه بوتين لترامب ثمنا لهذه التفاهمات؟ أثارت القمة تكهنات عن توافق ضمني على تفاهم يتضمن انسحاباً إيرانياً- أميركياً متزامناً من سوريا. لكن كل هذه التحليلات تنحو إلى تجاهل موقف إيران من المساومات الجارية على رأسها، فمن الخطأ الاعتقاد أن الإيرانيين سوف «يضبضبون» أشياءهم، بمجرد أن يُطلب إليهم، ويخرجون من سوريا بهدوء، أخذاً بالاعتبار ما فعلوه من أجل الاحتفاظ بالسيطرة عليها.
السائد أن العراق ولبنان هما البلدان الأكثر أهمية لإيران في المنطقة، وأن سوريا بعدهما. هذا صحيح من دون شك، فليس هناك هدف أعظم قيمة في سياسة إيران الخارجية من إبقاء العراق ضعيفاً وتحت هيمنتها. أما لبنان فهو الركن الأهم في استراتيجية إيران الدفاعية حال تعرضها لهجوم إسرائيلي أو أميركي. لكن الاحتفاظ بالعراق ولبنان غير ممكن من دون سوريا، فسوريا بالنسبة إلى طهران هي «واسطة العقد في محور المقاومة، وخروجها يعني سقوط المحور بكامله». وإذا لاحظنا أن إيران تخلت عن برنامجها النووي، لقاء الاحتفاظ بنفوذها الإقليمي، على اعتبار أن السلاح النووي يمكن الحصول عليه دائماً، طالما توافرت المعرفة النووية، بينما إذا خسرت إيران سوريا لا تستطيع الحفاظ على طهران نفسها. لذلك فالارجح ان المعركة مع إيران في سوريا أطول وأعقد مما يعتقد كثيرون.


بقلم : أمين قمورية

امين قمورية