كتاب وأراء

انتفاضة غير الانتفاضات

منذ نصف قرن وشعب العراق يعاني.. نصف قرن من الحروب التي لم تتوقف.. حرب إقليمية مع إيران دامت ثماني سنوات (1980 - 1988)، ثم غزو ماحق عام 2003 أعقب حصارا هو الأقسى المفروض على دولة في التاريخ، وهو بدوره أعقب حربا كونية عام 1991 عقابا على غزو صدام للكويت. وبعد الغزو كانت الحرب الأهلية الطائفية الرهيبة عامي 2006 و2007.
ثم جاءت حرب الإرهاب الساحقة الحارقة. وما بين هذه الحروب كان الدمار والفساد والنهب والتكالب على الدولة ومؤسساتها وخيراتها ومحو لكل بنيتها الإنتاجية والتحية.. ومع ذلك لايزال هذا الشعب قادرا على التمرد والاحتجاج ورفض الأمر الواقع المفروض عليه بالقوة تارة باسم العشائرية وطورا باسم الطائفية.
هبة تموز التي يشهدها النجف والبصرة والسماوة حاليا، ليست الأولى من نوعها في العراق. عام 2011، تحرك الشارع العراقي بالتزامن مع إيقاع «الربيع العربي». لكن هذا بلاد الرافدين، مختلف كليا عما حصل في تونس ومصر وليبيا والبحرين واليمن وسوريا، فلا الخلفيات، ولا السياق، ولا البنية الحداثية، متشابهة على الإطلاق.
وحصل أمر مشابه أكثر بعد هزيمة الجيش العراقي في الكويت.. فمن البصرة انتقلت شرارة الانتفاضات للمحافظات وكادت تطيح النظام لولا حماية أميركا. وعام 2016 تظاهر العراقيون بالكثافة والحدة ذاتهما إلا أنهم لم يحصلوا على مُرادهم، في ظلّ اعتبار أن «الأولوية لمحاربة داعش». اليوم لم يعد «داعش» على قيد الحياة وذريعة كهذه لن تعد تجد. واللافت أن كل التظاهرات حدثت في المدن الشيعية ضد حكومة رئيس وزرائها شيعي وغالبيتها شيعية، فيما أهالي المحافظات الغربية وإقليم كردستان.. يتفرجون!
والمشكلة في الحكومة العراقية أنها لا تعترف بقساوة المعاناة التي يعيشها العراقيون مع أن أسبابها ودوافعها شديدة الوضوح: ظلم وفساد، وأحزاب متصارعة ودستور ضعيف ودولة تضمحل وتختفي معها الضمانات للمواطنين. لقد جعل التهاون مع الفساد والمفسدين الثقة بين الشعب والحكومة أضعف فأضعف يوما بعد يوم، وصارت متطلبات إعمار البلاد من شمالها ونازحيها ورفع الإهمال عن الجنوب بمدنه ومحافظاته عالية الكلفة في حين أن موازنة الدولة تعجز عن تغطية الضروري.
اليوم للانتفاضة طعم آخر ومعنى آخر، ذلك أن اقتحام مقرّات حزب الدعوة الحاكم، ومطار النجف وغيره من المؤسسات، يعني أن العراق في طور التحوّل إلى مستوى جديد من العنف الاجتماعي - السياسي - الأمني بعد احتلال عام 2003. وتاليا، يفترض بالتظاهرات الحالية أن تؤدي إلى مكانٍ ما، سواء على صعيد تشكيل الحكومة، أو على صعيد أدوار اللاعبين الرئيسيين فيها.
ولأن للعراق دورا أساسيا في مسألة الحرب الضمنية بين الأميركيين والإيرانيين بعد شموله بسلّة واحدة مع لبنان واليمن وسوريا، فإن ذلك يعني ارتفاع نسبة المواجهة في بغداد بين الدولتين. وقد يبرز ذلك ضمناً حالةٍ من اثنتين: إما حالة مضادة للإيرانيين في بغداد أو حالة «محايدة» رافضة أي دور إقليمي في العراق. الأمران يصبان في خانة الأميركي، لأن من شأن تأليب العراقيين على إيران أو تحييدهم في المواجهة، أن يؤثر على الإيراني في سوريا. وهكذا تفتح التظاهرات العراقية الباب واسعاً أمام قدرة العراقيين على رسم مسار آخر لمستقبلهم، والأهم من ذلك قدرة الخارج على التحكّم بالساحة الداخلية.

بقلم : أمين قمورية

امين قمورية