كتاب وأراء

قمة الناتو التي كادت أن تنفجر

أظهرت قمة الناتو التي انتهت أعمالها مؤخراً في العاصمة البلجيكية، أنَّ ثمة تباينات بدأت تطفو على السطح مُجدداً بين الولايات المتحدة ومجموعة دول الاتحاد الأوروبي المنضوية في إطار الحلف، بالنسبة لمستقبل الحلف ودوره في العالم ككل. فالرئيس الأميركي دونالد ترامب يعتبر أن حلف الناتو بواقعه الحالي «بات منتوجاً منتهي الصلاحية»، وبأن إجراء تعديل جذري في هيكليته، ووظيفته، ودوره، وفي الإنفاق العسكري، أصبح أمراً لا مفر منه.
الرئيس الأميركي ترامب كان لاذعاً في تصريحاته الناقدة أثناء قمة الناتو وبعدها، وقد تناول الأوروبيون بلغة الاستعلاء هذه المرة، وقد وصلت حدة النقاشات والتباينات داخل قاعة المؤتمر لوقوع مشادات كلامية بين الرئيس ترامب والمستشارة الألمانية ميركل، مع أنه استدرك وحاول في نهاية أعمال القمة التخفيف من وطأة ما حدث عبر الحديث عن «التزام الولايات المتحدة إزاء حلف شمال الأطلسي بأن يظل قويا جدا».
التقدير يقول إن الأوروبيين خرجوا أكبر الخاسرين من تحوّلات الوضع الدولي وتجاذباته، خاصة على صعيد العلاقات الروسية الأميركية. فقد ولجت دول الاتحاد الأوروبي عتبات ما يُمكن أن نُطلق عليها مُسمى «الحرب الباردة الجديدة» التي تُشيعُ نُذُرها الآن بين واشنطن وموسكو، في حين أنَّ الرأي العام الغربي، وكما تُشير استطلاعات الرأي في أكثر من بلدٍ غربي، لا يريد إعلان العودة إلى حربٍ باردة جديدة، ولا يريد أن يكون طرفاً بها كما كان الحال في الحرب الباردة التي تلت الحرب الكونية الثانية إلى حين انهيار وتفكك الاتحاد السوفياتي السابق.
على المستوى الرسمي، هناك اطمئنان أوروبي، قد يكون مُبالغاً به، رسمياً، حين يرى معظم قادة الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي أنَّ لا حرب باردة جديدة، وأنَّ رجل الكرملين القوي فلاديمير بوتين يقود الآن معارك متفرقة لا ترقى إلى مستوى تلك الحرب الباردة التي يبشر البعض بها. فبالنسبةِ للغرب الأوروبي لم تَعُد روسيا سوفياتية شيوعية، ولم تَعُد موسكو تُصدّر مضموناً أيديولوجياً منتقداً الغرب و«إمبرياليته». فالصراع اليوم بات صراع جغرافيا وليس صراع أيديولوجيا وفلسفات سياسية.
من جانب آخر، واشنطن تحاول الآن اللعب على معزوفة خروج بريطانيا من مجموعة دول الاتحاد، وتعمل على تعميق مضمون الانقسام الأوروبي، والتهويل من الدور الروسي في تناول الأوروبيين كما وقع مع بريطانيا في حادث قتل المعارض الروسي في لندن، مع أن الولايات المتحدة تُدرك بأن موسكو لن تُصارع ذلك الغرب على مسرح الاقتصاد والإنتاج وهياكل التمويل، بل من خلال تعزيز أدوارها الإقليمية في مناطق التوتر ومناطق المصالح في العالم كما الحال في الشرق الأوسط، حيث الدور الروسي في سوريا وإيران والعراق.. الخ.
في هذا السياق، نجد أنَّ التحالف الروسي الصيني أمرٌ لا مفرَ منه أمام الدولتين، اللتينِ تتمتعانِ بالعضويةِ الدائمةِ في مجلس الأمن الدولي، وصاحبتي الحضور في ميادين الصراع وبؤر التوتر في مناطق مختلفة من العالم.

بقلم : علي بدوان

علي بدوان