كتاب وأراء

ترامب يسلم «الحصرم السوري» لبوتين .. والسوريون يضرسون

ليس سهلاً التنبؤ بالمسار المستقبلي للعلاقات بين واشنطن وموسكو، فمجرد اجتماع بين بوتين وترامب لا يعني بالضرورة حدوث انفراجة بين الدولتين في ظل حالة عدم اليقين المتأصلة بين الجانبين وغياب الثقة.
ترامب وعد عندما كان مرشحاً أنه في حال فوزه بالرئاسة سيعمد إلى إقامة شراكة جديدة مع روسيا كجزء من السياسة الخارجية للبيت الأبيض.. لكنه ما لبث بعد الانتخابات أن وجد نفسه في مواجهة هجوم شرس في ضوء المعلومات عن الجهود الروسية للتأثير في سير الانتخابات ونتائجها.. ووصلت الأمور بين الجانبين إلى حد التأزم بعدما شنت القوات الأميركية هجوماً صاروخياً على سوريا في مشهد أعاد للأذهان أن واشنطن تريد العودة إلى الساحة الدولية بمواقف تستدعي تدخلها بكل شاردة وواردة في العالم.
التوصل إلى «صفقة كبرى» بين ترامب وبوتين تبدو صعبة في الظروف الراهنة، إلا أن التعاون بين موسكو وواشنطن لحل معضلات صعبة لاسيما منها الحرب السورية بات أمراً ملحاً وضرورياً.. وبعدما نهضت روسيا من رماد الاتحاد السوفياتي، لم يعرف الغرب كيف يتعامل مع روسيا الجديدة التي لم تعدم وسيلة من أجل الاستثمار السياسي والعسكري الاستثمار في المناطق التي ينحسر فيها الغرب.. حاول أوباما بدبلوماسيته المعهودة أن يعيد ضبط إيقاع العلاقة مع موسكو بفرض عقوبات اقتصادية ومالية عليها بعد ضمها للقرم عام 2014.. لكنه في سوريا، لم يبد أي استعداد لفرض أي عواقب على التقدم الروسي الكاسح في هذا البلد.. وهكذا فعل خلفه في البيت الأبيض، فقد أراد كلاهما الخروج من سوريا، وليس التورط فيها.. وسمح كلاهما لبوتين بأن يصبح الحكم على الأحداث.. فما الذي يجب أن يفعله ترامب إذاً عندما يجتمع ببوتين في هلسنكي في 16 يونيو؟
سيسعى ترامب إلى الحفاظ على الوجود الأميركي المحدود في شرق سوريا إلى أن يختفي تنظيم «الدولة الإسلامية» لتنفيذ وعده وضمان مصالح أصدقاء واشنطن في سوريا وللاحتفاظ بحق الفيتو في مسار الحل المرتقب في هذا البلد.. لكن همه الأول سيكون محاصرة إيران، ذلك أن ترسيخ وجودها في سوريا قد يفجر حرباً بين إسرائيل والإيرانيين إذا لم يتمّ احتواؤه، وأن الولايات المتحدة ستدعم الإسرائيليين بشكل كامل، مما يجعل من مصلحة بوتين وقف توسّع الإيرانيين وحلفائهم في سوريا ومنع حصول تصعيد إقليمي كبير.. لذا ممكن أن يقترح ترامب على الروس التوسط في وضع مجموعة من الخطوط الحمر بين الإسرائيليين والإيرانيّين في سوريا.
وبالفعل، قد يطلب ترامب من بوتين أن يكون قناته إلى الإيرانيين.. وهذا قد يحد من احتمالات الحسابات الخاطئة مع طهران، لكن من شأن ذلك أن يمنح بوتين حصةً في التنسيق مع واشنطن في شأن إيران.. وفي مقابل تراجع إيران وحلفائها عن الحدود مع الأراضي المحتلة وافقت واشنطن على ترك قوات المعارضة السورية يواجهون وحدهم مصيرهم، وطلبت طهران من روسيا أن ينسحب الأميركيون من قاعدة التنف.. وفي كلتا الحالتين فإن المستفيد الأوحد في الحالتين، موسكو التي أعادت حليفها الجيش السوري إلى الحدود الجنوبية والشرقية للبلاد، وثبت دورها مرشداً للحل والربط في سوريا.. وهكذا يكون ترامب سلم بالفعل الحصرم السوري إلى بوتين وترك السوريين يضرسون.

بقلم : أمين قمورية

امين قمورية