كتاب وأراء

قمة هلسنكي لن تكون فارقة

من المُتوقع أن يلتقي الرئيسان الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين في العاصمة الفنلندية هلسنكي، في قمة تجمعهما وعلى جدول أعمالها قضايا كبرى تتعلق بمجموعة الأزمات الدولية التي باتت محط استنفار العالم بأسره، وعلى أمل تحقيق أهدافٍ مهمة وإيجادِ تقاطعاتٍ بشأنها في المواقف بين البلدين، وخاصة منها مسائل الاستقرار الاستراتيجي، ومكافحة الإرهاب الدولي، والمشاكل الإقليمية، وحالات الصراع في العالم، واستئناف العلاقات الثنائية الطبيعية بينهما.
فمنذ صعود الرئيس دونالد ترامب لموقع الرئاسة في الولايات المتحدة، والعلاقات بين واشنطن وموسكو تتسم بتراجعٍ غير مسبوق، لم يُشهَد مثله منذ نهاية الحرب الباردة عام 1990. وزادت الأمور تدهوراً بعد توسّع الخلافات والتباينات بين موسكو وواشنطن بشأن العديد من الملفات الدولية الكبرى الساخنة، ومنها المتعلقة بشأن الموضوع الإيراني والملف النووي واتفاق (5 + 1)، والموضوع السوري وتشعباته، عدا عن الملفات التي تُثير القلق الشديد لدى القيادة الروسية والمُتعلقة بالنفوذ الأميركي في بعض دول الاتحاد السوفياتي السابق، وعلى الأخص منها في أوكرانيا ودول البلطيق وبعض دولِ وسطِ آسيا.
وعليه، فمن المتوقع أن تكون القمة الروسية - الأميركية في هلسنكي، زاخمة ومهمة، لجهة جدول الأعمال، ولجهة مخارجها المتوقعة، حيث تجرى الآن الترتيبات والإعداد الجيد لها من قبل وزيري الخارجية ألكسندر لافروف وماك بومبيو، بما في ذلك ترتيب نص البيان المشترك المتوقع صدوره، وما سيحدده من خطواتٍ ملموسةٍ في تحسين العلاقات الثنائية، سواء من حيث الأعمال المشتركة في الساحة الدولية أو من حيث ضمان الاستقرار والأمن الدوليين وفق ما أشارت إليه مصادر روسية.
الإيجابي أنَّ قمة هلسنكي ستعقد دون شروطٍ مسبقة، لكن علينا أن نُقدّر أن التناقضات والخلافات والتباينات بين روسيا والولايات المتحدة لا يُمكن التغلب عليها بشكلٍ نهائي، ولكن يُمكن تذليلها، وإيجاد تقاطعاتٍ وتفاهماتٍ بشأنها، وتضييق مساحات التباينات لصالح توسيع مساحات التفاهمات، وهو أمر يحتاج لتنازلات معينة من الطرفين لصالح الحلول الوسط، وتجنب التمترس وراء المواقف الحادية، فالفرصة موجودة ولو كانت ضئيلة لتحقيق تقدم في العلاقات الثنائية. إلى ذلك، فإنَّ القمة ومجرد انعقادها، تُعتبر فائدة خالصة للرئيس فلاديمير بوتين ولرصيده على المستوى الداخلي الروسي وعلى المستوى الخارجي، وخاصة الأوروبي، حيث تعيش العلاقات الأوروبية - الأميركية حالة من المُنغصات المُتعلقة بأكثر من موضوع، بدءاً من أوضاع حلف الناتو وصولاً لتشجيع واشنطن بريطانيا على الانسحاب من مجموعة الاتحاد الأوروبي.
على الجانب الآخر فإنَّ الرئيس ترامب بدوره يرى أنَّ القمة الروسية - الأميركية حاجة له لتأكيد مصداقيته ودعواته بتخفيف التوترات مع روسيا، ولإثبات قدراته للجمهور المحلي والدولي أنه ليس رئيساً بأيدي الكونغرس، وإنه السيد الأساسي للبيت الأبيض، وهو مستقل داخلياً عن آراء وأحكام واشنطن ووسائل الإعلام. كما يريد أن تأتي الانتخابات النصفية القادمة في الولايات المتحدة بعد إنجازاتٍ ملموسةٍ له، بدءاً من القمة التي جمعته مع الرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ أون، وصولاً إلى قمة هلسنكي.
إذن، قمة هلسنكي خطوة مهمة، لكنها لن تكون فارقة أبداً على صعيد علاقات واشنطن وموسكو.
بقلم : علي بدوان

علي بدوان