كتاب وأراء

طغيان كرة القدم

لم يعد باستطاعة أحد على كوكب الأرض، أن ينكر ما يصح تسميته– على الأقل في تقديري– بسطوة كرة القدم ذات الجماهيرية الطاغية.
كما أن أغلب الظن أنني لست في حاجة للقول بأن لاعبي كرة القدم، باتوا الأشهر– يزاحمهم الفنانون فقط– على مستوى العالم، فالصغير والكبير، يعرف من هو كريسيانو رونالدو، وليونيل ميسي، ومحمد صلاح وغيرهم من الذين طبقت شهرتهم الآفاق، بينما لم يعرف أحد- ولا أبرئ نفسي- شيئاً عن عالم اسمه عادل محمود، رغم أنه واحد من أصحاب الأيادي البيضاء على البشرية، بفضل إنجازاته العلمية في تطوير اللقاحات، ولولا أن نعاه مؤسس مايكروسوفت بيل جيتس، لمر خبر وفاته دون أن يستوقف أحداً!.
اللعبة– أكرر لعبة – أصبحت صناعة وتجارة ولها اقتصاداتها الضخمة، فهناك فرق أوروبية، توازي ميزانياتها وربما تفوق ميزانيات دول بالعالم، وهناك لاعبون تلامس مداخيلهم السنوية، الناتج القومي لبعض دول جنوب العالم.
والأمر كذلك.. يصبح عادياً– ولا أقول منطقياً– أن تستحوز مباريات مونديال روسيا 2018، على اهتمام السواد الأعظم من البشر في العالم.
لكن هل الكرة ولاعبوها– الممثلون أيضاً يدخلون في السؤال- أهم من المستشفيات وأطبائها، والمصانع ومهندسيها، والمعامل وعلمائها، وفصول الدراسة ومدرسيها، وقاعات الإبداع الفكري ومبدعيها ومفكريها؟
السؤال على سذاجته، أراه مهماً، وهو على أي حال سؤال جدلي وقديم.. مانويل جوزيه أحد أشهر مدربي كرة القدم الذين عملوا في مصر، أجاب عن السؤال عندما وجه عتاباً لأحد لاعبيه المغرورين قائلاً: «إنني أتعجب من غرورك، أنت لست مدرساً ولا كاتباً ولا طبيباً ولا مهندساً، إنما أنت، وأنا معك، مثل العاملين في السيرك، وظيفتنا هي إمتاع الناس بعض الوقت، حتى ينصرفوا هادئين إلى أعمالهم التي تضيف إلى الحياة».
قد يكون مقبولاً ذلك الاهتمام الطاغي باللاعبين، أو الممثلين، في دول العالم الديمقراطي، فطبيعة حياتهم، ونيلهم لحقوقهم الأساسية، من صحة وتعليم وعمل وحياة كريمة، وكذلك حقوقهم في الحرية والكرامة الإنسانية تسوغ لهم ذلك أو تبرره، مع ملاحظة أنهم يهتمون أيضاً بعلمائهم ومفكريهم بشكل مناسب، لكن الملفت، هو أن يهلث الفقراء والمحرمون من تلك الحقوق، في العالم الثالث وراء هؤلاء، وينشغلون بمتابعتهم وملاحقتهم وتقليدهم، عن انشغالهم باحتياجاتهم، أو المطالبة بحقوقهم؟!

بقلم : محمود عيسى

محمود عيسى