كتاب وأراء

من كيبيك إلى تشينغداو .. عالم يتغير

لم تنته قمة مجموعة الدول الصناعية السبع على خير، ولم تسجل أي توافق أو تفاهم بين الأعضاء، لا بل انفضت على خلاف وتناقض عميقين بين الولايات المتحدة وبقية دول المجموعة، بدليل البيان غير المألوف الصادر عن الرئاسة الفرنسية حين جزم بأن «التعاون الدولي لا يمكن أن يكون رهناً لنوبات غضب أو انتقادات»، في إشارة مباشرة إلى انسحاب الرئيس ترامب، الذي غادر القمة غاضباً متوعدا ومهددا كل من يخالفه الرأي.
لقد اظهرت قمة المجموعة في كيبيك الكندية، أن الولايات المتحدة لم تعد كما كانت اذ أخرجت خلافاتها مع حلفائها إلى العلن، ولم يحدث قط في تاريخ المؤتمرات الدولية، ان وجد رئيس أميركي نفسه وحيدا ومعزولا في مواجهة قادة دول حليفة لواشنطن، بعضها مثل كندا وفرنسا وبريطانيا، شاركوا الولايات المتحدة في الحروب التي خاضتها بدءاً بالحربين العالميتين وانتهاءَ بحرب افغانستان.
ومنذ وصوله إلى البيت الابيض اضعف الرئيس ترامب المؤسسات والبنى التي انشأتها واشنطن وحلفاؤها المنتصرون في الحرب العالمية الثانية، مثل حلف شمال الاطلسي واتفاقات التجارة الدولية.
وبالتزامن مع اللقاء الكندي، انعقدت في مدينة تشينغداو الصينية، قمة لمجموعة منظمة شنغهاي للتعاون، وأقطابها الصين وروسيا والهند، لكنها انتهت على وئام وتماسك وتفاؤل بالمستقبل، على عكس ما حدث في القمة «الكندية» التي رفض فلاديمير بوتين، العودة إليها، رداً على دعوة من ترامب، ففي نظر موسكو لم تعد مجموعة السبع طموحاً لروسيا، بعدما توافرت فضاءات أخرى تمكن موسكو وبيجينغ ونيودلهي من الحفاظ على مصالحهم بعيداً عن هيمنة الغربيين الكبار الذين لا يريدون الإقرار بأن العالم قد تغير وأنهم ليسوا الوحيدين فيه، وأن هناك دولاً أخرى يمكن أن تقلب المعادلات والموازين.
في قمة كيبيك اتسعت المسافة بين ضفتي الاطلسي وفقد الانسجام والتناغم بين الجانبين. الخلافات بين الأميركيين والاوروبيين تتسع وتشمل العلاقة مع روسيا، الملف النووي الإيراني، مسألة المناخ، التجارة الدولية، المساواة بين الجنسين.
والقارة القديمة رفعت شعار «أوروبا الموحدة» في مواجهة شعار «اميركا اولا» الذي يرفعه ترامب ويريد فرضه على الجميع.
في قمة تشينغداو عزز التضامن بين دول المنظمة وبدا التوافق واضحا بين الاعضاء تضامناً وتوافقاً واضحاً على سبل مواجهة التحديات المقبلة.
وفي القمتين بدا واضحا ان العالم الجديد منقسم فعلا إلى حلفين: حلف تجمعه الجغرافيا وتبعد ما بينه المصالح وحلف تبعد ما بينه الجغرافيا وتجمعه المصالح.
يبدو أن العالم وصل إلى مفترق طرق وأمامه حلان لا ثالث لهما إما القبول والتوافق على تعدد القطبية والاحترام المتبادل لمصالح الدول بما فيها الصغيرة أو الصدام الذي يأخذ حالياً أشكالاً مختلفة وفي مناطق مختلفة من العالم سياسياً ودبلوماسياً واقتصادياً.
الولايات المتحدة اعتبرت نفسها منذ عقود زعيما بلا منافس للنظام العالمي ومستفيدا رئيسيا منه.
لكن الآن، فإن اللاعبين الرئيسيين على المسرح الدولي لم يعودوا إلى اتباع النص نفسه، ففي قمة السبع بدا فصل جديد في المسرحية، ذلك ان ستة من اللاعبين يقولون للاعب السابع:«لم تعد وحدك، نحن هنا ايضا». وفي الوقت نفسه يرتفع الصوت في قمة شنغهاي «نحن هنا ايضا» فالمسرح يتسع للاعبين كثر. والعالم بعد سلسلة الحروب الدامية والأزمات الاقتصادية العالمية المتتالية يحتاج إلى بدائل ووسائل جديدة لقيادته. ولعل المشاركة في إعادة وقفه على رجلين اثنتين، أو أكثر، تجعله أكثر توازناً واستقراراً.
بقلم : أمين قمورية

امين قمورية