كتاب وأراء

لهذه الأسباب «لو لم أكن قطرياً لوددت أن أكون قطريا»

مونديال 2022 .. « القوة الناعمة» في قطر

مونديال 2022 .. « القوة الناعمة» في قطر

من على مقعد في قطار ذكي، يسير بلا سائق، منطلق بكل تساوق، أكتب كلماتي بتناسق، من محطة «مترو مشيرب»، التي يجري العمل فيها على قدم وساق، لتشكل مركز الانطلاق, للوصول إلى كافة الملاعب المخصصة في قطر، لاستضافة مباريات كأس العالم لكرة القدم 2022.
أكتبها من عربة ذلك القطار، الذي يشعرك شكله الخارجي بالقوة والرشاقة والفخر، المستوحى من تراث قطر، حيث تم تصميم مقدمته على شكل وجه الحصان العربي الأصيل، رحب الجبهة، طويل العنق، واسع الشدق، بعينيه الواسعتين، اللامعتين، السوداوين، الشاخصتين، اللتين يشع منهما بريق نظراتهما المعبرة وليس العابرة، المنطلق بسرعة 100كم في الساعة، ويعد من أسرع القطارات ذاتية القيادة في العالم، متجهاً في رحلة افتراضية إلى محطة «مترو لوسيل»، قاصداً الاستاد العالمي، الذي سيحتضن المباراتين الافتتاحية والختامية للمونديال القطري.
أكتبها من المستودع الرئيسي لمشروع «ترام لوسيل»، المرتبط بشبكة «المترو»، حيث الحبر من قلمي يسيل، تعليقاً على الزيارة الميدانية التي قام بها معالي الشيخ عبدالله بن ناصر آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، والتي تابع خلالها سير الأعمال التشغيلية، فـــــي هـــــذا المشروع الحضاري الخاص بهذه المدينة العصرية.
أكتبها من هناك بكل إصرار، في زمن الحصار، من داخل عربة القطار، الذي يستلهم تصميمه الخارجي من عبق البحر، وتراث البَحّار، حيث تم تصنيعه على شكل «المحمل»، وهو المركب الشراعي التقليدي، الذي كان يستخدم أيام الغوص، كوسيلة من وسائل النقل البحري، والارتحال، بحثا عن اللؤلؤ الطبيعي، الكامن في المغاصات و«الهيارات».
.. وبعيداً عن مكامن المحارات، التي تنمو في أحشائها «الدانات»، في زمن غابر غادرنا منذ عشرات السنوات، أكتب هذه الكلمات من أحشاء قطار فرنسي، منطلق في مساره القطري، تم تصنيعه في مدينة «لاروشيل» الفرنسية، وقامت بإنجازه شركة «الستوم» الرائدة في مجال صناعة القطارات، والتي تهيمن على هذه الصناعة المتطورة في عدة قارات، لامتلاكها (5) مصانع في فرنسا، وتعتبر المورد الرئيسي لمنتجاتها في الشرق الأوسط.
.. وما من شك في أن زيارة معالي رئيس الوزراء التفقدية لخطوط مشروع «ترام لوسيـــل» ومحطــــــــاته، تعكــــس حـــرص قــــطر علــــى إنجاز مشاريع البنية التحتية، الخاصة بمونــــديال 2022 في مواعيـــــدها المـــحددة، وفـــقاً للجداول الزمنية الموضوعة لها والمعلنة.
.. ولعل ما يدعو إلى الفخر، أن حكومتنا الموقرة تحرص على إرساء متطلبات المجتمع المتحضر، المتصل بين مكوناته، والمتواصل مع كياناته، عبر وسائل النقل المتطورة، وأحدثها شبكة «المترو»، بجميع خطوطها، وكامل مراحلها، وهو المشروع العصري الحيوي، الذي تديره شركة سكك الحديد القطرية، المعروفة باسم «الريل»، ويمثل العمود الفقري، في منظومة قطاع النقل العام في البلاد، تحقيقاً لرؤيتنا الوطنية لعام 2030.
.. وتتلخص أهداف المشروع، الذي وصل إلى مراحله النهائية، في إيجاد حلول عصرية، وبدائل تكنولوجية، تساهم في تسهيل عملية التنقل، عبر توفير المرونة والانسيابية في الحركة المرورية، داخل مفاصل قطر كلها، تماشياً مع النمو السكاني، والتوسع العمراني غير المسبوق في تاريخ الدولة.
.. ويمثــــــل مـــشروع «تــــرام لوسيـــل» وتوأمـــه «مترو الدوحة»، عـــلامة فارقة فــــــي تـــاريــخ تطــــور قطــــــاع المواصـــــلات في قــــطر، الذي يعكس نهضتها العمرانية، وقفزتها الحضارية.
.. ولا جدال في أن استكمال مرافقه، وتنفيذ محطاته في زمن الحصار، يشكل إنجازاً يدعو للفخر، خاصة أنه حقق اختراقا في جدار التحديات، التي واجهناها خلال الأزمة، مما يؤكد نجاح دولتنا في تجاوز التأثيرات السلبية لها، وتخطي كافة العقبات الناتجة عنها.
.. ومثلما تنطلق حكومتنا من نجاح إلى آخر، ومعها ينطلق «ترام لوسيل» من محطة إلى أخرى، ها هي المدينة العصرية، التي تبلغ مساحتها 38 كيلومترا، وتستلقي شمالاً عـــــلى الواجهــــة البحـــــريـــــة، عـــــلى مسافة 15 كيلومترا من الدوحة، تنطــــلق بكل عنـــفوانها وعنـــــوانها لتتصدر عناوين وسائل الإعلام العالمية.
.. ولا غرابة في ذلك.
فهذه المدينة القطرية تعد أول حاضرة خضراء صديقة للبيئة في قطر، حيث كانت محطة للطيور المهاجرة في الشتاء، وإليها ستتجه أنظار العالم إلى «استادها المونديالي»، في الحادي والعشرين من نوفمبر عام 2022، لمتابعة الحدث العالمي، المتمثل في انطلاق بطولة كأس العالم لكــــرة القــدم، في نسختهـــــا العــربية الأولى، وســـط موجات «الحـــــرّة» المشتعلة في نفوس الذين يفرضون حصارهم الجائر على قطر.
.. ولأن رئيس هيئة الرياضة السعودية أحدهم، فقد وجّه في حوار متلفز مع قناة «بلومبرغ»، الكثير من الإشارات، ومرر الكثير من الاسقاطات، أبرزها قوله متهكما:
«سنحرص على أن يحضر الفريق السعودي حليب (المراعي) خلال مشاركته في مونديال قطر»!
.. واستناداً إلى «ثقافة المراعي» التي يجيدها تركي آل الشيخ، حبذا لو يوضح لنا هل سيحضرون معهم أيضاً الأبقار التي تدر الحليب، برفقة «ثيرانها»؟
أم سيتم الاكتفاء بإحضار «ثور» واحد أهوج، صاحب منطوق أعرج، لا يفقه شيئاً في الملاعب سوى أكل العشب الأخضر، ولا يفعل شيئاً في «المراعي» سوى معاشرة البقر!
.. وحتى يكشف رئيس هيئة الرياضة السعودية ملابسات هذا الأمر، ينبغي أن يعلم أنه عندما تتدحرج الكرة على البساط الأخضر، من دائرة «السنتر»، في «استاد لوسيل»، معلنة انطلاق المباراة الافتتاحية، للحدث العالمي الأكبر، على مستوى الكرة العالمية، والأشهر على خريطة الكـــــرة الأرضيـــة، فـــإن اســـــم قطر سيـــــكون حتماً مــــدعاة للفخر، لكل مواطن عربــــي، تتحرك مـــشاعره فـــــور سماعه موسيقى وكلمات «وطني حبيبي الوطن الأكبر».
.. ولأن الوصول إلى ملعب «المونديال القطري»، الذي سيحتضن المباراتين الافتتاحية والختامية سيكون سهلاً سلساً عبر خطوط ««الترام» وشبكة «المترو»، والجسور المعلقة، والطرق الواسعة، الفسيحة المؤدية إلى الاستاد، الذي يتسع إلى أكثر من 85 ألف مشجع، فإن مدينة «لوسيل» ستكون في بؤرة الاهتمــــام الإعــلامـــي الــــعالمي، وسيظـــل اسمها يتصدر نشرات الأخبار العالمية، ولا عجب في ذلك، لأنها تستحق أكثر من ذلك.
.. فهي مدينة الماضي والحاضر والمستقبل، ويكفيها عراقة ماضيها العتيد، المرتبط بمؤسس قطر، وهذا يدفعني إلى أن امتطي صهوة قطار «ترام لوسيل», ليس للتوجه إلى إحدى محطاته الثمانية والعشرين، ولكن لكي أدلف من خلاله إلى محطة الماضي التليد، للوقوف عند أبرز صناع «القوة الناعمة» في تاريخ الوطن، وأقصد بذلك «مؤسس الدولة» المغفور له بمشيئة الله الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني ــ طيب الله ثراه ــ المولود في الدوحة مطلع يناير من عام 1825 كـــما تشـــير عــدة مصادر، الذي بنى «قلعة لوسيل»، هناك على إحدى التلال الواقعة حالياً ناحية الشرق، من موقع الاستاد المونديالي، الذي سيشهد المباراتين الافتتاحية والختامية للحدث العالمي، حيث سيكتمل هيكله الخرساني، مع نهاية العام الجاري، بعدما وصلت أعمال البناء ذات الصلة بأساساته ودعاماته إلى مراحل متقدمة.
.. ورغم الطابع العصري لملعب «المونديال القطري»، الذي يعد تحفة معمارية تتغنى بها الأجيال بسقفه الدائري الشفاف، والأضواء المشعة التي تحوم حوله عند إنجازه، وكأنه صحن فضائي طائر، هبط على أرض قطر، لتعزيز قيم التسامح والتعايش بين شعوب العالم، لكن البيئة التاريخية المحيطة بالاستاد، الذي تشهد أعماله الإنشائية تطوراً يوماً بعد آخر، تعطيه بعداً إضافياً، وزخماً وطنياً، لارتباطها بعهد «المؤسس»، حيث عاش لسنوات فيها، ودفن في ثراها، بعد وفاته في السابع عشر من يوليو عام 1913، وكانت المنطقة يومها مركز حكمة ومنبع حكمته، ومن داخل قلعتـــها كـــان يــــدير شـــــؤون الــــدولة وسط المحيـــــــط الإقليمـــي المضــطرب، الذي يضـــج بالتــــحديات الكبيـــرة، والأطماع الخارجية الكثيرة والخطيرة!
.. وبعيداً عن مطامع السابقين، ومؤامرات المحاصرين الحاليين، يمثل نجاح قطر في نيل شرف استضافة كأس العالم لكرة القدم، وتنظيم البطولة العالمية على الساحة القطرية، أو البـــقعة العــربية، شكلاً من أشكال «القوة الناعمة»، التي تملكها دولتنا، وهي القوة الظاهرة بقوة في شخصيتها الوطنية، المتسمة بإرادتها الصلبة، والمتصفة بقدرتها على مواجهة مختلف التحديات الصعبة.
.. وأستطيع القول إن «المؤسس» كان من أوائل الذين أدركوا قيمة «القوة الناعمة»، قبل أن يعرفها «جوزيف ناي»، المحاضر في جامعة «هارفارد»، صاحب كتاب (SOFT PAWAR)، الذي شغل منصب رئيس المخابرات، مساعد وزير الدفاع في إدارة الرئيس الديمقراطي الأميركي الأسبق بيل كلينتون.
لقد طبق الشــــيخ جـــــاسم بـــن محمـــد بن ثـــــاني ــ طيـــب الله ثــــراه ــ مفـــهوم «القوة الناعمة» في زمـــــانه، من خلال تعاملاته مع الداخل القطري والمحيط الخارجي، مستنداً إلى قوة المنطق وسلامة المنطوق.
.. ولهذا نجح «المؤسس» في تأكيد استقلالية دولته، وترسيخ كيانها، وتثبيت مكانها على الخريطة الاقليمية.
.. وتقديراً لمسيرته الوطنية، ستقام المباراة الختامية لمونديال قطر 2022 في اليوم الذي تولى فيه مقاليد الحكم، وأعني الثامن عشر من ديسمبر عام 1878، حيث نحتفل جميعاً بذكرى اليوم الوطني.
.. ومثلما نجح «المؤسس» في إظهار قدراته القيادية، المتمثلة في كيفية استخدام «القوة الناعــــمة»، وتوظـــيفها لتوحــــيد الشعب القطري تحت الراية القطرية، وترسيخ قواعد الدولة الوطنية، غير الخاضعة للتبعية أو القبلية.
.. ها هو الحفيد المتسلسل من سلسلة أحفاده، حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى يسير على نهجه، مدركاً أهمية «القوة الناعمة»، وقدرتها على التصدي بصلابة للحصار الجائر، مهما كان المحاصرون يملكون من وســــائل القــوة الغاشــمة، مستــــلهماً صــــفات ومواصفات جده الأكبر، مستوحياً حكمته في قيادة شؤون البلاد، وحنكته في تجاوز كل أنواع المخاطر التي تستهدف العباد.
.. ولأن «القوة الناعمة» ذات طبيعة معنوية، ودلالات رمزية، تستند إلى صفــــــات الرمـــز الوطنـــي، وترتكـــز على قـــدرته في جذب الآخرين إلى شخصيته القيادية، فقد أثبت «صاحب السمو» امتلاكه لكل مقوماتها، من خلال إدارته الفذة للأزمة الخليجية، وقدرته على امتصاص تداعياتها، ومعالجة آثارها السلبية، بطريقة إيجابية.
.. وتظهر القراءة التأملية، ولا أقول الأولية، لحصاد عام كامل من الحصار الجائر، الــــــذي دخـــل عــامه الثـــاني، براعة «صاحـــب الســـمو» في الدفاع عن وطنه، والتعبير عن مواقفه، بثقة سياسية، ولباقة دبلوماسية، من خلال شخصيته «الكاريزمية»، وقدراته على الاقناع، ومهاراته القيادية في جذب الآخرين، والتأثير الإيجابي فيهم، وامتلاك محبتهم.
.. ولأن «القوة الناعمة» لا تعـــــكس ضـــعفاً، و لا تجسد وهـــــناً، فـــقد نجـــــح «صاحب السمو» في تحـــــــــويل قطـــر خلال الأزمة إلى نمـــوذج فريد مــــن نوعــــه في المنطـــــقة، من نماذجهـــا، بفضل حســـــن إدارته لجـــميع الملفات المتعلــــــقة بأزمـــة الحـــصار، وتوجيـــهاته السديدة المتعلقة بكيفية إدارة ملفاتها الحساسة.
.. ومن خلال تلك التوجيهات السامية، أثبتت قطر في زمن الحصار، أنها تملك حقلاً لا ينضب من مصـــــادر «القـــوة النــــاعمة»، يفـــوق في ثــــرائه ثروات حقل غاز الشمال!
.. ولعل ما يميز القوة القطرية، أنها هادفة وليست هادمة، واضحة وليــــست فاضحة، مانعــــة وليســــت مائـــعـــة، وعــلى أســــاســـــها لا يمـــــكــــن لأي متابــــع للأزمـــــــة الخليجــــــية، أو أي مــــراقــــــب لتطــــوراتهـــــــا، أن ينكـــــر امتـــــلاك قطـــر أمـــيراً وحكــــومة وشـــــعباً عـــــناصـــــرهــــا، الـــــتي أعطت دولتنا المحاصرة حضوراً على حضورها.
لقد سعت قطر من خلال قوتها الناعـــــــمة إلى كــــسب ولا أقـــــول ســـــلب العقــــــول والقلـــوب معاً، وأقصـــد عقــــــول من تابعوا الأزمة المفتعلة ضدها، وقلوب من أحبوها وتعاطفوا معها، رغم الإجراءات التعسفية التي تفرضـــها دول الحصار على مواطنيها المتعاطفين مع الحالة القطرية.
.. ورغم المحاولات الشيطانية التي بذلتها دول الحصار، للاضرار بمعالم قطر، ورموزها العمرانية، وصروحها الحضارية، وأبرزها المطار، وأعني بذلك «مطار حمد الدولي» الذي يعد أيقونة منظومة الطيران المدني القطري، والسعي لإلحاق الضرر بمرافقه، من خلال قيامها بفرض الحظر، على المسارات الجوية المؤدية من وإلى قطر، جاء فوزه قبل أيام بالمركز الأول عالمياً، وفقاً لتصنيف (AIR HELP)، الخاص باختيار أفضل المطارات في العالم للعام الجاري، ليشكل استفتاء كونياً على القدرات الجاذبة التي تملكها قطر في قطاع السفر، في زمن الحظر!
لقد شكلت نتائج ذلك الاستفتاء اعترافاً عالمياً من المسافرين، في أماكن تواجدهم على كامل استدارة الكرة الأرضية، بامتلاك قطر عناصر «القوة الناعمة» في هذا المجال الحيوي، بعد تفوق هذا الصرح العالمي على (141) مطاراً، منها مطارات دبي سنغافورة ولندن وباريس وأمســـتردام، وغيـــرها من جهات السفر، التي شمــــلها التصنــــيف المتخصص في تقيـــيم أداء المرافق ذات الصلة بشؤون الطيران، وفقاً لتحليل جودة الخدمات، ودقة المواعيد، عبر رصد آراء المسافرين من خلال الشبكة العنكبوتية.
.. ومــــــا من شـــك فـــــي أن «مــــطار حـــمـــد الـــدولـــي» يــــــــعد صـــرحـــــاً حضارياً قطرياً عربياً عالمياً، من خلال هندسته المعمارية الرائعة، وخيارات «الشوبنج» المتنوعة، التي توفرها أروقته المتعددة المخصصة للتسوق، عدا امتثاله لمعايــــير السلامة العالميــــة، وتمــيزه باستخدام برامج المطار الذكي، التي توفر تجارب فريدة من نوعها للمسافرين، لا مثيل لها في المطارات الأخرى، مما يجعل منه وجهة سفر سياحية بحد ذاته.
.. ويشكل هذا المعلم الحضاري العالمي ركيزه من ركائز استضافة قطر لمباريات وفعاليــــات بطولة كأس العالم لكرة القدم، خاصة أنه مــــــؤهل لاستيـــــعاب أكـــــثر مـــــــن 50 مليــــون مــــسافر بحــــلول عــــــام 2022، موعد تنظيم المونديال القطري.
.. ولا عزاء لرئيس هـــــيئة الريــــاضة السعـــودية، الذي اعتاد على السفر من مطــــــار الريـــاض، الذي يعــــاني من تواضـــــع الخدمـــات اللوجــــستية، وضعف الإمكانيات التشغيلية، مقارنة بالمطارات العصرية، مما يجعل المسافر يشعر بالكآبة عند سفره ذهابا أو إياباً من مطار العاصمة السعودية، رغم أنه يحمل اسم «الملك خالد بن عبدالعزيز»، ولهذا يفترض أن يكون من الأفضل في المنطقة، إن لم يكن أفضلها.
.. ولعل أفضل مقومات استراتيجية «القوة الناعمة» الخاصة بدولتنا قطر تكمن في معالمها الحضارية والاقتصادية والعمرانية وغيرها، ولا أنسى المبادرات التعليمية، التي تتـــبناها وتطرحها صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر.
.. وما من شك في أن «مدينة العلم»، التي خصصتها سموها بجميع مرافقها العصرية لتعليم الأجيال، وفق أرقى مناهج التعليم في العالم، تعد من أكبر الأدلة على امتلاك قطر عناصر «القوة الناعمة»، التي تساهم في ترويج الشخصية القطرية، بكل سماتها الوطنية، دون اللجوء إلى الإكراه، ودون إثارة الكراهية.
.. ولا أنسى أيضاً أكاديمـــــية «اســـبايــــر» الرائـــــدة في مــــجـــــال صــــناعــــــة النجـــــــــوم، وأبـــــرزهـــــــم معتــــز عــــــــيسى برشـــــــم (26 عاما)، بطــــل الـــــعالم في الوثـــــب العالي، الــــذي تــــــربـــع عــــــلى عــــــرش الإنجــــــــازات العـــالميـــــــة، بـــعـــــد حـــــصولـــــــه على جـــــــائــــــزتـــــــي أفـضل ريـاضـي في الــــعالــم، خـــــلال احتـــفالية الاتحاد الدولي لألعاب القوى، التي نظمت في إمارة موناكو، وأفضل رياضي في آسيا لعام 2017، الممنوحة من اتحاد اللجان الأولمبية.
.. وما من شك في أن فوز ابن قطر بكل هذه الإنجازات، إضافة إلى نيلها شرف تنظيم مونديال عام 2022، يبلور مفهوم القوة الناعمة التي تملكها الدوحة، حيث يعد تنظيم هذا الحدث العالمي لأول مرة في المنطقة، من عناصر ترويج الثقافة القطرية، التي تستند إلى كرم الضيافة، وتعكس الحرص على إنجاح الفعاليات العالمية.
.. ولكل هذا يحق لي أن أقول في زمن المؤامرات، وانتصار قطر على كافة التحديات، «لو لم أكن قطرياً لوددت أن أكون قطرياً».
أقولها ولست بصدد استعراض الأسباب، التي تدفعني إلى نسج مقولتي على نفس منوال مقولة الزعيم الوطني «مصطفى كامل»، التي أطلقها صاحبها في زمن «الباشوات»!
لكنني سأتوقف عند حزمة من الحـــقائق والمعطــــيات، التي أظهرتها الأزمة الخليجية، أولها أن الطعنة في الظهر قد تأتي من قريب يستمد طاقته من غازنا الطبيعي، ويشاركنا بيتنا الخليجي الواحد، ولا يشترط أن تأتي الضربة الغادرة من غريب يجاورنا!
أما الحقيقة الثانية، فقد تعلمنا منها أن المظلوم، ضحية الظلم، ينبغي ألا يعامل الذين تآمروا عليه في الظلام بأخلاقهم ولـــكن بأخــــلاقــــه، مـــــع عــــدم الخضوع أو الخنوع لهم، أو ذرف الدموع على قطع ما تبقى من علاقات معهم، وعدم الركوع إلا لله عز وجل.
.. وعلمتنا الحقيقة الثالثة أن الصراع بين الحق والباطل، والخير والشر، الذي بدأ منذ عهد قابيل وهابيل، لن ينتهي إلا بانتهاء الخلــــيقة، مهما تغير الأشخاص، ومهما تبدلت الأدوار، والأسماء والوسائل، لكن حقيقة الصراع المبني على الأطماع ستبقى واحدة.
.. وتعلمنا الحقيقة الرابعة ضرورة توقير أهل الحكمة، واحترامهم، والاستفادة من خبراتهم، والتعلم من تجاربهم في الحياة، وفي مقدمتهم «حكيم المنطقة» سمو الشيخ صباح الأحمد، أمير دولة الكويت الشقيقة ــ حفظه الله ــ الذي بادر بإطلاق الوساطة الكويتية، لحل الأزمة الخليجية، حرصاً على ما تبقى من علاقات يفترض أنها «أخوية».
.. وتعلمنا من الحقيقة الخامسة أن هناك عدداً من «الأشقاء», ما زالوا يعيشـــــون مرحلـــة «المراهقـــة السياسيــة»، ولهــــــــــذا يمـــارســـون التصرفات الصبيانية، التي تدفعهم إلى ارتداء الأقنعة، واظهار عكس ما يضمرون بدواخلهم ضدنا، لأنهم يكرهونـــنا لمزايـــانا وليــــــس لعــيوبنا، غيرة منا، وحقداً علينـــــا، وحســـــداً على ما أنعـــم الله به عليـــنا مــــــن ثروات وصفات وعلاقات دولية.
.. وتعلمنا من الحقيقة السادسة أن جرح الغدر لا يلتئم، حيث تبقى آثاره مهما طال الزمن، ووجع الخيانة لا يشفى بسهولة، ومرارة الصدمة أشد من طعم العلقم!
أما الحقيقة الكبرى التي عرفناها خلال الأزمة الخليجية، وأدركنا أبعادها في شهر رمضان، فهي تتمثل في أن حياة الإنسان لن تتوقف لو فقد شيئاً مهماً.
..والمؤكــــد أن ذلـــــــك الأمــــــــر المفقـــود سيطـــويــــه النســـيان، حيــــث توجـــد الكثــــير من بدائله في كل مكان.
.. وهذا ما حدث لمحبي «غرشة الفيمتو»، التي يتم تصنيعها في إحدى دول الحصار، وكانت من أساسيات مائدتنا الرمضانية على الإفطار!
لكننا بإرادتنا الوطنية التي لن تنحني ولن تنكسر، استبدلناها بشراب «الجلاب» اللبناني الفاخر، المحلى بماء الزهر، المطعم بحبات الصنوبر, والذي أصبح المشروب الرمضاني المفضل في قطر!


بقلم: أحمد علي

أحمد علي