كتاب وأراء

العهد القطري الجديد .. بين أبو ظبي والأفق السعودي

ضمن الحوارات السابقة، التي دارت بين الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، والشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير دولة قطر، قضية تناولت أزمة العلاقات السعودية والقطرية في 2014، حينها كان موقف ولي العهد السعودي، مختلفاً تماماً عن سياقات الأزمة التي انفجرت في 5 من يونيو 2017. ونحن في ذكراها الأولى، أي أن الأمير محمد حينها، وكان هذا ضمن حوارات الدوحة، وتقارب العمر الشبابي بينهما، كان له موقف مختلف، ورأى التصعيد في حينه خطأ ضد قطر.
فما الذي غيّر موقف الأمير، بعد ذلك الحين؟
هناك طرف عمل على هذا الملف، بلا أدنى شك، وهناك موقف سابق وموقف لاحق، هذه بديهية ضرورية، ولنُلاحظ هنا أن حديث الأمير محمد بن سلمان، كان بعد كامل انتهاء تقييم أزمة 2014، بين أواخر 2016 ومنتصف 2017، أي أن الأمير كان على إطلاع على حيثيات الحدث وتقديرات نتائجه.
فكيف تغيرت تقديرات الوضع، ولماذا انحسرت فكرة أن استراتيجيته، هي التعاون مع الدوحة كما أبو ظبي، بحسب مصالح المملكة، التي نصّ عليها الأمير، في حديثه مع سمو الامير الشيخ تميم بن حمد، وهي الاعتبار السياسي الأوّلي في علاقات الدول، هنا مفصل مهم وحسّاس للغاية، في قضية الأزمة الخليجية، وخاصة في مستقبل الحل وفك الاشتباك.
دعونا نعود لهذه القضية لاحقاً، ولنقرأ اليوم، معنى اتجاهات الدوحة المستقبلية، وتكريس عملية العزل الشامل، عن تقاطعات دول المحور، وهو مسار توقعناه، وليست مسألة القرار الحكومي، بضبط المنافذ الجمركية ومراكز السلع، لعزل منتجات دول المحور، خاصٌ بهذه المساحة، أو أن الامر جاء عرضياً في هذا التوقيت، كلا.
هذا المسار تم العمل عليه، منذ أوائل نضوج خلاصات تقدير الدوحة، بأنها تواجه موسماً سياسياً ممتداً، وليس عابراً، وحتى لو تم فض الاشتباك، فإن دروس الأزمة تعني بالضرورة أن تعمل الدوحة على عزل هذه التقاطعات، واختارت قطر، أن تنفّذ الخطة بتأن، كما أنها ركّزت في كل المسارات، على أن قطر هي ذاتها، قطر الممتدة بمشاعرها ووحدتها الاجتماعية في الخليج العربي، لم تُغير أبداً الترحيب بشعوب دول المحور، ولا قانون استقبالهم، وهيأت وهذا أمرٌ مدرك ومعترف به من دول المحور، كل الظروف لتواصل الأرحام.
أما مسار العلاقات السياسية والاستراتيجية، فقد بدأ التنفيذ مبكراً، في حقيبة الاتفاقات والتموضع الاستراتيجي، ومع وجود القاعدة التركية، التي أصبحت ضمن مصالح تركيا القومية، حتى لو تغيرت جدلاً خريطة الانتخابات التركية، وهو أمرٌ غير راجح، في قضية الرئاسة، أما البرلمان فهناك احتمالات أخرى في تغير نسب المقاعد لبرلمان أنقرة، غير أن الدوحة، أيضاً لم تقف عند هذا الاتفاق وأنجزت سلتها السياسية الاستراتيجية، مع عدة دول.
كما أن دول المحور لم تستطع أن تعزل قطر عن المجلس، وتراجع الموقف كلياً، في محاولة استقطاب عُمان والكويت، بعد الغضب الشعبي والتذمر السياسي الهادئ، من محاولة دول المحور، لجبرهما على موقف مماثل، وأصبح الخطاب الرسمي للمحور، مع بقاء علاقات عمان والكويت حيوية مع الدوحة، متودداً لهما، خلافاً للمرحلة الأولى.
إذن هذا مفصل نجاح لافت، لعهد قطر الجديد، الرابط بالبيت الخليج قائم ومثبت، ولم يتأثر بسلوك الأمين العام، ولا بالحملة الشرسة، وسلة العلاقات العربية والإقليمية قائم، وانتهت فترة تأثيرات الأزمة، على العهد القديم، وبدأت الدوحة، مرحلة توسّع في تطوير بنيتها، ومصالحها في إطار مستقل كليا عن المحور.
سيبقى هناك قضية اعلان الدوحة، الداخلي للمشروع الوطني الاجتماعي، سواء استحقاقات انتخابات 2019، أو مركز الحوار الوطني، الذي سينظّم حركة الرأي بعد بروز الشخصية الوطنية القطرية، في محفل الموقف وتضامنها الصلب، وطرح رؤاها للمستقبل الوطني.
وهي مهمة لا ندعي أننا على اطلاع على توجهاتها، في المؤسسة القطرية للإعلام والمؤسسات المثيلة، أو بقية رواق وأندية الرأي والفكر الاجتماعي الوطني القطري، لكننا نرصد اتجاهاتها في الدوحة، وحاجاتها اللازمة لهذه المرحلة.
وما يهم تحديداً، في ملف الأزمة الخليجية، هو تحوّل المواطن والانسان القطري، إلى الدخول في عهدة زمنية جديدة، تجمع بين تهميش قضية الأزمة، باستثناء برامج الرد القومية، والانفتاح على خطاب جديد، يعلن لأطراف الأزمة، والعالم المراقب، أن قطر، جعلت أزمة الخليج وراءها، ليس تقليلاً من الآثار الكبيرة، النفسية والسياسية وغيرها للأزمة، وإنما لكون هذا الانطلاق، بحد ذاته، قوة ثقافية واجتماعية وسياسية، للعهد القطري الجديد.
وهنا نعود إلى الفصل الأول من المقال، ما الذي تعنيه رسائل الدوحة الأخيرة، أن أبو ظبي هي مركز الخصومة، وهي سر التحشيد الخليجي والعربي والعالمي، وهل هذا يعني أن البأس السعودي، الذي نفذ كل مواقفه على قطر ومجتمعها، خارج سياق المسؤولية؟
ليس الأمر كذلك، وإنما كل حركة التحري الشامل للأزمة، تثبت أن هذا الكيان الضخم والمؤثر، ورغم مصالحه وصراعه الخفي القديم، مع كيانات دول الخليج العربي، قبل قيام المجلس وبعده، كانت له توازنات خاصة، وحدود لتصعيداته، والذي جرى، أن هناك مشروعا نجح في اختراقه مركزياً، وحرّضه على قطر، وعلى قضايا شعبه الحقوقية والفكرية.
هنا يبقى مفهوما وبصورة كلية، أن تضبط قطر تموضعا استراتيجيا تفصيليا مهماً، بعد أن انتهت لجانها الخاصة، إلى تقديرات موقف حسّاسة جداً، وهذا التقدير يعطي مساحة زمنية مرنة، لمستقبل الانفراج، بأن تُركّز الدوحة على مواجهة المحرك الأصلي.
ولنلاحظ توسلات الوزير قرقاش، بأن تُقدّم قطر تنازلات، تساعد ولي عهد ابوظبي، للتخلص من إرث الأزمة، الذي يرتد عليها، في ظل انهيارات في مسارات مشاريعها الحربية، ضد خيار الشعوب، واستقرارهم الاجتماعي وسلمهم الأهلي، وقرقاش يعرف تماماً، أن ما كان يُشترط على الدوحة، كان أكبر بكثير من توسلاته.
في حين تُثبت الرسالة حتى مع كل تسخينات الأزمة، وسعارها في فريق أبو ظبي السعودي، بان الدوحة ستتعامل مع الدولة الأكبر، في المنطقة بموجب الواقعية السياسية، ولكن ليس بموجب الحميمية السابقة أبداً، فالزُجاج لا يُصلَح كسره، يبقى أن ملف تدخل أبو ظبي، الذي قد يطرأ عليه تغيّر في أي وقت، ويصبح الناس على اختلافات موقف بينها وبين الرياض، وهو وارد في سياسات الدول.
كما هو تأثير الملفات الداخلية، التي صُدم الناس بها حقوقيا، مرةً أخرى، بعد أن ضمت الاعتقالات، شخصيات وطنية تاريخية، لها ولأسرها في مجتمع منطقة الرياض، مكانة كبيرة، وبين كل النخبة السعودية المثقفة، كالدكتور إبراهيم المديميغ وأ. عزيزة اليوسف.
فهناك ضرورة مركزية لولي العهد السعودي، لوقف التصعيد الداخلي، وأعتقد أن له ارتباطاً مباشراً، بالموقف من الأزمة الخليجية، وهو ما يعني أن تفعيل قرار الدوحة بطي سجل الأزمة، وسحب الكثير من زخمها داخلياً مع شعبها، قد يُحقق مصلحة كبرى لها، تعزز فك الاشتباك الدائم مع الرياض.
بقلم : مهنا الحبيل

مهنا الحبيل