كتاب وأراء

أوروبا وأميركا .. هل تسيران نحو «الطلاق»؟

تباين المواقف بين أميركا وأوروبا إزاء الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، يظهر توجهات جديدة لأوروبا على الساحة العالمية، ففي وقت تسير واشنطن نحو مواجهة النفوذ المتنامي لطهران في الشرق الأوسط، ووضع شروط جديدة أمامها، فإن أوروبا، وتحديداً عبر ألمانيا وفرنسا، تعلن عدم موافقتها على التوجهات الجديدة لواشنطن.
وسبق لواشنطن أن علقت عضويتها في عددٍ من الاتفاقات الدولية التجارية والبيئية مثل اتفاقية المناخ التي يعَد إطارها المتعدِّد الطرف شرطاً لفاعليتها.. وفي نظر الأوروبيين فإن تعطيل هذه الشراكات لا يقل خطورة عن الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران.. وهذا ما دفع بقوى سياسية عدة داخل الاتحاد الأوروبي إلى المطالبة بشركة مع الولايات المتحدة على أساس الندية لا التبعية أو الولاء.
طبعاً ليس لدى أوروبا ما يشير إلى قدرتها على اجتراح صيغة يمكن أن توازن بين موقفي كل من الولايات المتحدة وإيران وترضيهما معاً.. ولا تملك أصلاً وسيلة ناجعة لمواجهة سياسة العقوبات.. وليس في مقدورها تالياً استجابة شروط المرشد علي خامنئي للحفاظ على الاتفاق.. إضافة إلى رغبتها هي الأخرى في مناقشة سبل تقييد برنامج طهران الصاروخي ووقف تدخلاتها في المنطقة العربية.
وإذا كانت أوروبا قد وافقت على مضض، على تسليم واشنطن زمام قيادة العالم بعد انتهاء الحرب الباردة، فإن تلك الموافقة تبدو قد استنفدت الكثير من المصالح والوقائع التي جعلتها أمراً واقعاً.. فهل ترغم التباينات المتلاحقة في المواقف السياسية بالقارة القديمة إلى طلب الطلاق مع السياسات الأميركية أم أن الخلاف سيقف عند حدود الاتفاق النووي؟ وهذا يستدعي سؤالاً آخر عن قدرة أوروبا اليوم على حماية أمنها، ومدى كفاية إمكاناتها العسكرية والاقتصادية والاستخباراتية في مواجهة تهديدات جدية، خصوصا التهديد الروسي في الشرق؟
وفقاً للظروف الراهنة لحلف شمال الأطلسي الذي أنشئ بالأساس لحماية أوروبا، فإنه من الصعب أن تتخلى القارة القديمة عن فكرة التحالف العسكري والأمني الاستراتيجي مع أميركا، وبناءً عليه، فإن واشنطن المدركة لحاجات أوروبا في الدفاع والأمن ستستخدم هذه الورقة كلما استدعت الحاجة لتذكير بروكسيل بها.. لكن باريس وبرلين ستسعيان إلى تعزيز الدفاعات الأوروبية بشكل مستقل أكثر فأكثر عن واشنطن، وهو ما يعني عودة الاهتمام بملف «الجيش الأوروبي الموحد» ورصد موازنة كبيرة له.
وبطبيعة الحال، فإن روسيا والصين تراهنان على أنه كلما ابتعدت بروكسيل خطوة عن واشنطن ستجد نفسها أقرب خطوتين إلى كل من موسكو وبيجينغ، وقد تفعلان ما في وسعهما للوصول إلى ذلك، ما يعني انطلاق أشكال جديدة للصراع السياسي والدبلوماسي، وإحداث خلل في النظام العالمي القائم حالياً على التفرد الأميركي بزعامة العالم.
وهكذا يبدو أن العلاقة الخاصة التي نشأت بين ضفتي الأطلسي عام 1945 قد دخلت في مرحلة الجفاء والبرودة.. لكن على الأرجح لن يعلن أي من الطرفين نهاية العلاقة.. والموقف الأوروبي عموماً، يذهب على الأرجح في هذا الاتجاه.. هو لا يستطيع بحكم بنيته المعقَّدة معارَضة الولايات المتحدة سياسياً أو استراتيجياً، ولكنه يستطيع التعبير عن معارضة جزئية للسياسة الأميركية.. وفي ضوء موازين القوى الحالية، فإنّ هذا النوع من المعارَضة هو أفضل ما يمكن توقعه من أوروبا، في انتظار أن تفضي التغييرات السياسية داخلها إلى وصول قوى تحمل رؤى أكثر جذرية للعلاقة مع واشنطن.

بقلم : أمين قمورية

امين قمورية