كتاب وأراء

العقوبات سلاح ذو حدين

العقوبات التي تفرضها واشنطن على الدول التي تغرد خارج سربها، لا تستمد قوتها فقط من الإمكانات الأميركية المطلقة اقتصاديا وسياسيا وعسكريا، بل تستمدها خصوصا من قوة القضاء الأميركي النافذ ما وراء حدود الولايات المتحدة. والنصوص الأميركية نافذة خارج أراضيها منذ قانون هلمس- بورتون عام 1996 الذي جعل الحصار الأميركي على كوبا دولياً، أو غربياً على أقل تقدير. ومذ ذاك يلاحق القضاء الأميركي شركات أجنبية ويفرض عليها غرامات ضخمة أحياناً. ويرفع القضاء الأميركي لواء الأمن القومي الوطني. وقدرات العدالة الأميركية على التدخل في التحقيقات، مطلقة. فعلى سبيل المثل، تكفي مشاركة أميركي واحد في عملية من العمليات أو استخدام دولار واحد فيها أو نقل الأصول عبر غرفة مقاصة أميركية، ليتحرك القضاء الأميركي ويتدخل في التحقيق أو يباشره. وقوة النار القضائية هذه تستند إلى قوة الاقتصاد الأميركي، وهو محوري في حسابات الشركات المتعددة الجنسية، لأن الاستغناء عن الزبائن والمزودين والوسطاء الأميركيين هو خيار لا يملك عدد كبير من الشركات الدولية ترف الإقدام عليه.
وهذه القدرة القانونية تجعل من الاتفاق النووي الإيراني شبه ميت بعد الانسحاب الأميركي منه، ذلك أنه سيضع الشركات الأوروبية المستمرة في العمل مع إيران تحت سيف الملاحقة القانونية والمالية الأميركية بحجة انتهاك العقوبات الأميركية. وقد تطالب باريس وبرلين ولندن، واشنطن الشركات الأوروبية التي باشرت مشاريع في طهران، من الغرامات. ولكن هذا الحل يمس الولاية الأميركية القانونية الدولية. وقد تصعد أوروبا وترد على أميركا من طريق إجراءات مقابلة. فتنزلق إلى الحرب التجارية التي تشنها أميركا وتسعى القارة القديمة إلى تفاديها.
لواشنطن قدرة على تفعيل سلاح العقوبات، وهو لاشك تدبير مؤذ للمُعاقَبين والمتعاملين معهم، لكنه سلاح ذو حدين مؤذ ومفيد معا، ذلك أن معظم الحصارات والاقتصادية الاقتصادية التي فرضت على دول في تاريخنا المعاصر أدت إلى نتائج مغايرة لغاياتها، فمنذ عام 2012 فرَضَت واشنطن عقوبات على روسيا بذريعةِ انتهاكِ حقوق الإنسان، ثُم أطلقت عِنان عقوباتها على موسكو مع اندلاعِ الأزمة الأوكرانية بعد عامين ولا تزال تشدّدُها، ومعَ ذلك فإن هذه العقوبات لم تُجدِ نفعًا في إرغامِ قيصرها على التراجع لا بل كانت حافزًا له على تعزيز قبضته على القرم وسوريا. وتعرضت الصين أيضاً منذ أحداث ساحة تيان إن مين عام 1989 لعقوبات أميركية قاسية لكن العملاق الآسيويَّ ارتقى إلى المرتبة الاقتصادية الثانية عالميًا وبات ينافِس الولاياتِ المتحدةَ نفسَها على المرتبةِ الأولى. أما أقدمُ دولة اختبرت العقوباتِ الأميركيةَ فهي كوبا ولم تستسلمْ جزيرة آل كاسترو منذ خمسةٍ وخمسين عاما لا بل دفعت واشنطن إلى التراجع والقَبول بتطبيع العلاقات بعد طول عداء. والتاريخ المعاصر يحدثنا أيضا عن كوريا الشمالية التي واجهت العقوبات منذ خمسينيات القرن الماضي وها هو الرئيس ترامب يطلب لقاءَ ومصافحة زعيمِها كيم جون ايل على رغم الشتائم والتهديدات المتبادلة بين الرجلين.
وإذا كانت واشنطن لا تستسيغ أن ينتقد أحد سياساتها الخاصة، ولا تقبل بإسقاط تجارب الآخرين على تجاربها، ولا تتعب نفسها بالاستماع إلى نصائح الآخرين، لكن على الأقل أن يقرأ صناع سياساتها ما أوردته كبرى دورياتهم الصحفية، (أي صحيفة «الواشنطن بوست») عن حصار الدول الأربع لقطر، حيث خلصت إلى أن هذا الحصار فشل في إخضاع شعب قطر وزاد من شعبية حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى.

بقلم : أمين قمورية

امين قمورية