كتاب وأراء

إشعاعات ما بعد الانسحاب من النووي

صحيح ان الاتفاق النووي قلص من قدرة إيران على بناء سلاح نووي حتى بعد عام 2030 وحد من احتمالات نشوب حرب. لكن هذا الاتفاق كان دون توقعات من وقعه ولاسيما منهم واشنطن، ذلك ان طهران أساءت تأويل الاتفاق حين فسرته انتصاراً، وتصرفت إقليمياً ودولياً على أساسه.
ولان الاتفاق فصل بين التخصيب والمضمون السياسي، وسعت طهران نفوذها الإقليمي خصوصا في المدى العربي، معتبرة تعزيز حضورها في العراق وسوريا واليمن ولبنان جائزة لها مقابل توقيعها الاتفاق.
ومن الواضح أن بعض انتقادات ترامب للصفقة النووية كانت صحيحة. وكان يمكنه استخدام الاخطاء وسيلة لجعل القادة الأوروبيين يعالجون بعض عيوب الاتفاق بدعم العقوبات على برنامج إيران للصواريخ الباليستية وأنشطة طهران في المنطقة. لكنه فشل في ضم الاوروبيين الذين تمسكوا بالاتفاق لاعتبارات اقتصادية وتجارية مع إيران، لا بل عبروا عن نيتهم مقاومة قرار إدارة ترامب بفرض عقوبات ثانوية على الأطراف الملتزمة بالاتفاق - وذلك لتحفيز الإيرانيين على الالتزام بالاتفاق من جهة وحماية شركات الاتحاد الأوروبي من جهة أخرى.
ويبرز الآن خطر حقيقي يتمثّل بعدم قدرة الولايات المتحدة على ضم شركاء إليها للضغط على الإيرانيين بطريقة قد تغير سلوكهم وتُعيدهم إلى طاولة المفاوضات لمعالجة المشاكل التي يريد ترامب إصلاحها. ولا يبدو أنّ لدى البيت الابيض استراتيجية للمرحلة المقبلة لإعادة الأوروبيين إلى الساحة بعد رفضهم بشكل أساسي شهوراً من المفاوضات معهم. بالإضافة إلى ذلك، نظراً لأن واشنطن هي التي ألغت الاتفاق وليس طهران، فسيكون من الصعب مواجهة موقف الضحية الإيراني المحتمل الذي ستلعبه طهران وسعي النظام إلى إلقاء اللوم على الولايات المتحدة.
ايا كان يعني انسحاب ترامب من الاتفاق النووي مع إيران، إلا أن أمراً واحداً واضحا للغاية: أنه قد اسدل الستار على نهج عهد أوباما تجاه إيران، ويتحمّل الرئيس الأميركي الآن المسؤولية الكاملة عن أيّ عمل تقوم به طهران. وإذا تمكنت إيران من تهديد استقرار المنطقة من خلال توسيع أهدافها العسكرية أو استئناف برنامجها النووي، فسيعود الأمر إلى إدارة ترامب لكي تثبت أن لديها سياسة لإضعاف الاحتمالين.
الأهم هنا الأثر السياسي لإلغاء الاتفاق النووي داخل إيران. فالإتفاق كان ثمرة جهد رئاسة روحاني وفريقه، أي نتاج التيار الإصلاحي الذي رفع لواء إخراج إيران من عزلتها ورفع العقوبات عنها، باعتماد الطرق الدبلوماسية لمد الجسور مع الغرب. فوصول روحاني إلى السلطة لم يكن فقط استجابة لمزاج شعبي أرهقته سياسات مواجهة عقيمة، بل كان حاجة نظام ولاية الفقيه نفسه الذي وصل إلى الطريق المسدود في معالجة ازماته، ولم تعد وسائل صموده الايديولوجية تفيده بشيء في رفع الضائقة الاقتصادية الخانقة عليه. ما اضطره إلى سحب القوى المتشددة إلى الوراء، ووضع الإصلاحيين في الواجهة للقيام بمهمة الخلاص.
ولما كان الانفتاح على إيران هو السياسة الأفضل لأنها تقوي البراغماتيين دعاة المصالح على الدوغمائيين دعاة الثورة وتصديرها، ومن شأنها ان تدفع الشعب الإيراني التواق إلى الحرية إلى المطالبة بمزيد من الإصلاحات التي ستغير النظام من الداخل بعد أن يرى منافع الانفتاح، فان سقوط الاتفاق من شأنه ان يعزز سلطة المتشددين ويطيل في عمر النظام وقد يدفعه إلى المزيد من التوسع والانتشار.
وهكذا في حال فشل ترامب في اعادة إيران إلى طاولة التفاوض وإبرام اتفاق أفضل بالنسبة لأميركا، فانه يطلق في اللحظة ذاتها اشارة جر المنطقة إلى صراعات اشرس.

بقلم : أمين قمورية

امين قمورية