كتاب وأراء

الطائفية اللبنانية تجدد شبابها

الانتخابات النيابية التي أسدلت ستارها لم تحمل للبنانيين أي جديد. نظام المحاصصة الطائفية جدد شبابه ونال شرعية شعبية في صناديق الاقتراع ضمن ما بات يعرف باللعبة الديمقراطية البعيدة كل البعد عن الديمقراطية المتعارف عليها في كتب السياسة. الطبقة السياسية المنبثقة من هذا النظام باقية، باقية، باقية. لا بل جاء القانون الانتخابي الحديث والملتبس ليحفظ نقاءها الطائفي من شوائب الاختلاط الطائفي. وكان الصوت التفضيلي افضل اختراع لضمانة هذا النقاء. ومجلس النواب المقبل سيضمن لأربع سنوات قابلة للتمديد حصص الزعامات الطائفية من جبنة الدولة التي انهكها العفن وأذابها الجشع. لا شيء تغير ماعدا بعض التغييرات الطفيفة في موازين العدد الصافي لكل طائفة ولكل زعيم. ليس مهما ما حصده هذا الزعيم أو هذا الحزب الطائفي من مقاعد، المهم أن المقاعد التي أفلتت منه نالها زعيم منافس اشد ولاء منه للطائفية. ومع ذلك يمكن القول إن ما حصل ويحصل يصنعه اللبنانيون بأيديهم، وذريعة المعتكفين عن التصويت والمقاطعين لا تعفيهم عن مسؤوليتهم في إعادة تنصيب الطبقة ذاتها.
غدا سيعود الاختلاف إلى نصابه الطائفي، لا مكانة للدستور ولا مكانة للقوانين، سوى عندما تستدعي مصلحتهم الاستقواء بالقوانين لتسجيل نقطة على الخصم الطائفي الآخر. القوانين هي لخدمة الطوائف وتعزيز الطائفية لا لبناء دولة المواطنة. وغدا أيضا سيختار النواب المنتخبون من يمثلهم في الحكومة المقبلة، التي ستكون على مثال سابقاتها في الشكل وفي المضمون. ملف النفايات سيبقى معلقا بلا حل طالما أن البحر المتوسط قادر على استيعابها. والكهرباء ستظل مقطوعة ساعات وساعات مادام توليد الطاقة المورد الرئيس لملء جيوب الوزراء وقادتهم. أما الحفاظ على البيئة فتلك صرعة غربية لا يجوز إدخالها إلى نظام قيمنا الشرقية. والفساد باق طالما أن الفاسدين هم الخصم وهم الحكم. والأزمة الاقتصادية قد تتعمق وترخي بأثقالها على ظهور اللبنانيين، لكن أصوات الشكاوى لن تصل إلى آذان المسؤولين ما دام هؤلاء ضمنوا تفويضا شعبيا جديدا من دون جهد أو محاسبة.
أما في العناوين السياسية الكبرى، فغدا ستقوم القيامة ولن تقعد في الصحافة الغربية والسفارات الدولية عن التقدم الكبير الذي احرزه حزب الله وحلفاؤه في الندوة النيابية نحو الحصول على الغالبية أو على الأقل الثلث المعطل، وستغذي هذه الحملة الأصوات المحلية المعارضة لهذا الحزب. سيقال إن هذا الحزب أكمل سيطرته على المؤسسات اللبنانية وبات صاحب الكلمة الفصل في الشؤون المحلية اللبنانية. وسيقال إن إيران تثبت واقعيا أنها تسيطر على اربع عواصم عربية بضمها بيروت رسميا إلى دمشق وبغداد وصنعاء. وسنسمع إسرائيل تهول بشن حرب شاملة على لبنان بعدما تلاشى ما تعتبره خطا وهميا بين الحزب والدولة اللبنانية وقوماتها.
صحيح أن «حزب الله» عزز مكاسبه السياسية في الدولة وبات المحرك الأبرز لسياستها المحلية والخارجية، وصحيح أن إيران خرجت رابحا في المعادلة اللبنانية وحققت هدفا إقليميا جديدا في مرمى السعودية التي كانت راعية للغالبية النيابية السابقة.
لكن كل هذا الضجيج الخارجي والأصوات المحلية المرافقة له، لن يغير في المعادلات الطائفية اللبنانية شيئا، ذلك أن التهويل بالخطر «الفارسي» من جهة، وتباهي الفريق المنتصر بفائض قوته وقدرته على مواجهة «نهج بن سلمان» من جهة أخرى، سيكون أداة فعالة في ايدي الزعماء الطائفيين لشحذ الهمم الطائفية وتحفيز جمهورهم على المزيد من الاصطفاف المذهبي ورص الصفوف خلفهم في مواجهة أعداء وهميين. أما الحفاظ على امن لبنان واستقراره، فآمال العاقلين من اللبنانيين ليست معلقة على حكمة زعمائهم ووعيهم، بل على شبكة الأمان الدولية إلى لاتزال مرفوعة فوق لبنان، ليس رأفة بشعبه ووحدته بل لتأمين مصالح عواصم كبرى لا ترى جدوى في انفجار هذا البلد في المدى المنظور.

بقلم : أمين قمورية

امين قمورية