إفريقيا.. في قبضة «الموساد»

عدو «لدود» يلتف كثعبان ماكر ويسير وفق مخطط يضعه بعناية شديدة؛ ففي ظل الانشغال العربي بالأحداث والصراعات الداخلية، تعمل دولة الاحتلال الإسرائيلية على تنفيذ مخططاتها لتهويد الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولم تكتف بذلك؛ فهي تمارس سياسات خارجية تسعى من خلالها إلى الانفتاح على جميع دول منطقة إفريقيا والشرق الأوسط والضغط على الدول العربية وخاصة مصر بطرق ملتوية- مباشرة وغير مباشرة- من أجل القبول بها والتعايش معها كدولة صديقة وليست مُغتصبة ومحتلة لدولة عربية، ومن ثم الهيمنة والسيطرة عليها.
مؤخراً، قام بنيامين نتانياهو رئيس وزراء دولة الاحتلال بجولة رسمية إلى القارة الإفريقية استغرقت أربعة أيام زار فيها كلاً من إثيوبيا وكينيا وأوغندا ورواندا، وذلك من أجل تعزيز التعاون المشترك مع هذه الدول، ولم تكن هذه الزيارة هي الأولى لإسرائيل في القارة السمراء؛ حيث تعمل منذ عقود على مد جذورها في إفريقيا وكسب ثقة دولها، خاصة دول حوض النيل، وذلك لعدة أسباب أهمها استغلال ونهب الثروات فيها وحصار مصر والدول العربية والسيطرة على منابع نهر النيل.
جذور العلاقات
بدأت العلاقات الدبلوماسية الإسرائيلية الإفريقية مع ليبيريا التي اعترفت بالدولة الإسرائيلية منذ إعلانها عام 1948م- كثالث دولة تعترف رسمياً بدولة إسرائيل- وهي أول دولة إفريقية عقدت معها إسرائيل معاهدة صداقة وتعاون وتبادلت معها الزيارات الدبلوماسية، ويمكن التأريخ لبداية الانطلاقة الإسرائيلية في إفريقيا بعام 1957 حيث كانت إسرائيل أول دولة أجنبية تفتح سفارة لها في غانا بعد أقل من شهر واحد من حصولها على الاستقلال.
وشهدت العلاقات الإسرائيلية الإفريقية تطوراً ملحوظاً منذ بداية عام 2003، فهي تقيم علاقات دبلوماسية مع 46 دولة إفريقية من مجموع دول القارة البالغ عددها 53 دولة، علماً بأن لإسرائيل 72 سفارة فقط على مستوى العالم، و13 قنصلية، و4 بعثات خاصة.
وتبنت إسرائيل منذ بداية القرن الحالي مداخل جديدة في علاقاتها مع الدول الإفريقية غير تلك التي كانت تستخدمها منذ خمسينيات القرن الماضي– حسب ما تناولته بعض الأبحاث التي جاءت في هذا الشأن- وتمثلت هذه المداخل في:
- المدخل الأيديولوجي والثقافي: ويقوم على الزعم بخضوع كل من اليهود والأفارقة «الزنوج» لاضطهاد مشترك، وأنهما من ضحايا الاضطهاد والتمييز العنصري، وأن كلا العنصرين له ماضٍ مؤلم ممتد، وذلك للقول إن سياسة إسرائيل في إفريقيا تعد تطلعاً لا لحماية الشعب اليهودي فقط، بل لمساعدة الأفارقة الذين تعرضوا للاضطهاد.
- مدخل محاربة الأصولية: تقدم إسرائيل نفسها على أنها خط الدفاع الأول للغرب ضد التطرف الإسلامي، وتحاول دائماً أن تثير مخاوف الأفارقة من المد الإسلامي، وأن تقدم خدماتها للحكومات الإفريقية باعتبارها الخبير الأول في هذا المجال.
- مدخل المجتمع المدني والتنمية: اتخذت إسرائيل دعم كل من المجتمع المدني والديمقراطية في إفريقيا مدخلاً للنفاذ والتغلغل داخل نسيج المجتمع الإفريقي، بالإضافة إلى تحركاتها لمكافحة الإيدز في القارة، ويعد هذا المدخل من أهم وأكثر المداخل فاعلية لكسب قلوب وعقول الشعوب الإفريقية في هذه الآونة، كما تستغل إسرائيل حقيقة كون قارة إفريقيا ترزح تحت وطأة الفقر والتخلف، فترفع لهم شعار الدولة «الصديقة».
- المدخل الأمني: تمتلك إسرائيل مصداقية لدى الدول الإفريقية في ميادين الاستخبارات والتدريب العسكري، وقد ركزت في تفاعلاتها الإفريقية منذ البداية على هذه المسائل التي تمت ترجمتها على شكل شركات أمنية، وهي على نوعين: الأولى شركات المرتزقة، ومن أبرزها شركة «ليف دان» وشركة «الشبح الفضي» التي تتولى تدريب وتسليح مليشيات قبلية لحماية الرؤساء والشخصيات السياسية المهمة.
والثانية شركات تتولى تنفيذ المخططات الإسرائيلية في إفريقيا، وأهمها شركة «يول باريلي» للأسرار، وشركة «أباك» وهما شركتان فرنسيتان مملوكتان لعناصر يهودية.
وتسعى إسرائيل إلى عدة أهداف استراتيجية وعسكرية وسياسية، أهمها الخروج من عزلتها والحصول على المزيد من الشرعية الدولية، وإقامة علاقات دبلوماسية مع أكبر عدد ممكن من الدول الإفريقية كمدخل للقيام بنشاطات أخرى اقتصادية، وفتح أسواق لمنتجاتها، والحصول على المواد الأولية اللازمة لصناعاتها، وتشغيل فائض العمالة لديها من خبراء وفنيين في دول القارة.
وقد تبنت إسرائيل في استراتيجيتها هذه مجموعة من الآليات، منها: الحصول على امتيازات للبحث عن البترول في أفريقيا، وتأسيس عدة شركات على أنها إفريقية، وتحويل مبالغ كبيرة من المال تحت أسماء تجار يهود يحملون جنسيات تلك الدول، واحتكار تجارة بعض المحصولات والأسواق، كاحتكار أسواق المنتجات الغذائية وعصير الفاكهة في إثيوبيا، ومحصول البن في أوغندا، ومحاصيل السمسم والفول السوداني وغيرها في عموم دول شرق إفريقيا.
وأيضاً اتباع سياسة إغراقية في تجارتها بغية كسب الأسواق، مثلما حدث مع كينيا وإثيوبيا حينما أغرقت أسواقهما بمختلف البضائع والسلع وكانت جميعها تستوردها بأسعار منخفضة من بلدان أخرى، بهدف سد الطريق أمام التعامل الإفريقي الأفريقي، والإفريقي العربي، ويملك اليهود اليوم كبرى الشركات التي تتحكم في الاقتصاد الإفريقي.
الخطر الإسرائيلي
وفي هذا السياق أوضح اللواء محمد رشاد، وكيل جهاز المخابرات العامة المصرية الأسبق ورئيس مركز الوعي العربي للدراسات الاستراتيجية، أن الأهداف الرئيسية لزيارة نتانياهو لإفريقيا هي: حصار مصر، وشراء مياه إثيوبيا، وتحقيق استراتيجية 2020 التي تطمح إليها دولة الاحتلال، وتعني تنفيذ مشروع اقتصادي للشرق الأوسط يجعل من إسرائيل مركزاً إقليمياً يحقق لها تبعية الدول الموجودة في المنطقة، أي غزو الدول اقتصادياً وجعل إسرائيل مركزًا إقليمياً وقائداً في الشرق الأوسط.
وأشار رشاد، إلى أن إسرائيل تسعى لتنفيذ هذا المخطط من خلال غزو إفريقيا، وقد بدأت بدول حوض النيل، والتي اتجهت إليها في الأساس لحصار وخنق مصر وتنفيذ الخطة التي قالوا عنها «بنك المياه» بأن تقدم إسرائيل التكنولوجيا والتقنية مقابل حصولها على المياه الأفريقية، بالاضافة إلى أن دولة الاحتلال تريد أن تدخل من خلال هذه الدول كعضو مراقب في الاتحاد الإفريقي.
وأضاف: إن إسرائيل تربطها علاقات قوية بإثيوبيا منذ خمسينيات القرن الماضي، وكانت بمثابة محور ارتكازها لتنفيذ استراتيجية الأهداف القريبة لتأمين الأمن الإسرائيلي، لافتاً إلى أن إثيوبيا بجانب أنها تتلقى مساعدات من إسرائيل لاستغلال المياه فإنها تتلقى أيضاً مساعدات فنية وتقنية صناعية وزراعية، وأعلن نتانياهو أنه سيجعل في إثيوبيا أكبر مزرعة ألبان في العالم، وهو الدعم الذي يمكن إثيوبيا من الحصول على مركز متفوق وقيادي في إفريقيا ككل، وذلك من خلال تنمية شاملة تحقق إنجازاً كبيراً على مستوى القارة.
وقال رشاد: إن الصراع العربي الإسرائيلي اليوم، وبسبب غياب الإرادة العربية، أصبح صراعاً حضارياً تحكمه التكنولوجيا والتقدم العلمي، لافتًا إلى أن كل الظروف الحالية في الشرق الأوسط هي لصالح إسرائيل التي عملت على الاستفادة من أزمات المنطقة بشكل أمثل وبما يخدم أهدافها.
وأضاف: إن إسرائيل سخرت لإفريقيا كل إمكاناتها الفنية والتكنولوجية، لدرجة أنها أصبحت تقوم بحراسة الشخصيات العامة وتأمين الرؤساء في دول القارة، والأفارقة سعداء بذلك، لأن العواطف لم تعد تحكم وإنما المصالح، مشيراً إلى أن إفريقيا ودول حوض النيل ترغب في الاستفادة من إسرائيل بأكبر قدر ممكن اقتصادياً وتكنولوجياً.
وتابع: إسرائيل لن تبخل على هذه الدول بأي مساعدات مطلوبة لتحقيق ما تسعى إليه من غزو القارة، وأيضاً لأنها– إفريقيا- تعد سوقاً لتصريف منتجاتها، مطالباً بضرورة وضع خطة شاملة وعاجلة للعودة مرة أخرى لإفريقيا تكون مبنية على قاعدة معلومات قوية تحدد ماذا نقدم لهم وماذا نأخذ منهم، وهذا ما فعلته إسرائيل، مؤكداً أن الوفود الشعبية لا تجدي في القارة السمراء. وأشار السفير الدكتور ناجى الغطريفى، المساعد السابق لوزير الخارجية المصرية وخبير العلاقات الدولية، إلى أن دولة الاحتلال الإسرائيلية وضعت القارة الأفريقية منذ عدة عقود في مكان متقدم على خريطة سياستها الخارجية، لافتاً إلى أنها كانت– منذ البداية- تعد البرامج التدريبية لرجال الأمن والقوات المسلحة في دول إفريقيا التي كانت بازغة في ذلك الوقت.
وبين الغطريفي، أن إسرائيل تدرك جيداً أهمية قارة إفريقيا، ولذلك تعمل على أن يكون لها ركائز قوية فيها وأن يكون لها تواجد ثقافي وعلمي وعسكري بجميع دولها.
من جهته، قال الدكتور جهاد الحرازين، أستاذ القانون الدولي والقيادي بحركة فتح الفلسطينية، إن زيارة بنيامين نتانياهو رئيس وزراء دولة الاحتلال الإسرائيلية إلى القارة الإفريقية جاءت في إطار التقدم الملحوظ الذي وصلت إليه العلاقات بين الجانبين، وفي محاولة صهيونية للضغط على بعض المواقف العربية من خلال تهديد مصالحها المرتبطة بإفريقيا، ومحاولة منها أيضاً لأن توجد لنفسها مكانا بين دول منابع نهر النيل للضغط على مصر لتوصيل المياه إليها عبر سيناء.
وأشار الحرازين، إلى أن العلاقات الإسرائيلية في إفريقيا ليست بالجديدة، إذ أن الكيان الصهيوني يتمدد منذ عقود من خلال العمل على مجموعة المصالح والاحتياجات التي تتطلبها دول القارة، وذلك بهدف تغير مواقف الدول الإفريقية خاصة تجاه القضية الفلسطينية، لأن إفريقيا والتي تشكل أكثر من 50 دولة تعد الداعم الأكبر والأساسي للقضية الفلسطينية، وعليه كانت محاولة نتانياهو الأخيرة- والتي باءت بالفشل- للضغط على دول القارة لكي لا يلقي الرئيس الفلسطيني كلمة في قمة الاتحاد الإفريقي.
وشدد على ضرورة العمل العربي المشترك لعودة العلاقات القوية مع إفريقيا للتصدي للخطر الإسرائيلي القادم، ومن أجل استمرار الدعم الإفريقي للقضايا العربية، مبيناً أنه حتى هذه اللحظة لم يحقق الكيان الصهيوني أي تقدم حقيقي في هذا الإطار، حيث ألقى الرئيس الفلسطيني– منذ أيام- كلمة أمام الاتحاد الإفريقي رغم محاولة بنيامين نتانياهو أن يضغط لمنعه. وتابع: العلاقات العربية الإفريقية متجذرة وهناك حالة من المشاريع الاستثمارية والاقتصادية في الكثير من الدول الإفريقية لرؤوس أموال عربية، ولذلك أعتقد أن نتانياهو لن يبلغ هدفه بسهولة ولم يحقق من زيارته ما كان مرجواً، والدليل على ذلك أنه عندما تحدث مع رئيس أوغندا في المؤتمر الصحفي المشترك تحدث إليه رئيس أوغندا وقال له 3 مرات فلسطين ولم يقل إسرائيل، ما يعني أن القضية الفلسطينية حاضرة بقوة وموجودة.